نحن لا نربّي أطفالنا.. نحن ندرّب الخوارزميات عليهم لم يعد السؤال المقلق اليوم: ماذا يشاهد أطفالنا؟ بل السؤال الأكثر خطورة: من الذي يتعلّم عليهم؟ في كل مرة يمرر فيها الطفل إصبعه على شاشة الهاتف، لا يختار محتوى فحسب، بل يقدّم بيانات. ضحكته، توقّفه، ملله، خوفه، وحتى لحظات شروده... كلها تتحول إلى إشارات رقمية تتلقفها الخوارزميات، وتحللها، ثم تعود إليه بمحتوى أدق، أعمق، وأكثر التصاقًا بذهنه. نحن نعتقد أننا نربّي أبناءنا، بينما الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من "التشكيل اليومي" بات يتم خارج البيت، وخارج المدرسة، وبدون معلم أو منهج أو نية تربوية. الخوارزمية لا تسأل: هل هذا مناسب لعمره؟ هل يعزز قيمه؟ هل يبني شخصيته؟ هي تسأل سؤالًا واحدًا فقط: كيف أجعله يبقى أطول؟ وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فالطفل الذي كان يفترض أن يكون محور الرعاية، أصبح مادة تدريب. لا تُدرَّب الخوارزميات على المحتوى فقط، بل على الطفل نفسه: انفعالاته، نقاط ضعفه، فضوله، وحتى لحظات وحدته. الأخطر من ذلك أن الخوارزمية لا تعمل ضد الأسرة صراحة، لكنها تعمل بدونها. لا تنافس الأب، ولا تصادم الأم، لكنها تتجاوزهما بهدوء، وتدخل عقل الطفل من باب التسلية. ومع الوقت، تتغير المعادلة: يصبح الهاتف هو المهدّئ، والفيديو هو المربي البديل، والمنصة هي المرجع الأول للدهشة والمعنى. نحن لا نعيش أزمة تقنية بقدر ما نعيش أزمة وعي. فالخطر لا يكمن في وجود الخوارزميات، بل في تركها تعمل وحدها داخل عقول لم تكتمل بعد. لا أحد يطالب بإلغاء التقنية، ولا يمكن عزل الأطفال عن عالمهم، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: هل نريد أطفالًا نُحسن تربيتهم... أم مستخدمين صغارًا نُحسن استهلاكهم؟ الطفل لا يحتاج وصاية رقمية، بل مرافقة واعية. لا يحتاج حظرًا أعمى، بل حضورًا ذكيًا. ولا يحتاج أبًا يخاف من الهاتف، بل أبًا يفهم كيف يعمل. في النهاية، الخوارزميات ستستمر في التعلم. السؤال الوحيد: هل نريدها أن تتعلم على أطفالنا.. أم معنا؟ محمد ناصر جفن