من أدق وجوه الإعجاز التي يلفت إليها الكتاب أن القرآن معجز في كل جزء منه، لا في مجموعه فقط. فالإعجاز هنا لا يشبه بناءً يحتاج إلى اكتماله ليظهر جماله، بل هو كالكائن الحي، يحمل صفاته كاملة في كل خلية من خلاياه. فالآية الواحدة، بل أحيانًا الجملة القصيرة، تقوم بذاتها مقام البيان الكامل. فالقرآن نزل منجّمًا، متفرق الآيات والسور، بحسب الوقائع والحاجات، ومع ذلك لم يفقد في أي مرحلة من مراحله طابعه المعجز. فكل قطعة كانت تنزل تحمل من القوة والتمام، ما يجعلها قائمة بذاتها، تؤدي غرضها الكامل في الهداية، والتشريع، والتأثير. ويبيّن الدكتور محمد أن هذا أمر لا يُعرف في الكلام البشري؛ إذ يحتاج النص عادة إلى سياقه الكلي ليظهر أثره، وتضعف أجزاؤه إذا اقتُطعت منه. أما القرآن، فكل مقطع فيه متماسك، محكم، متوازن اللفظ والمعنى، كأنه نزل دفعة واحدة، لا على مدى سنوات طويلة. وتظهر هذه الخصيصة بوضوح في الآيات القصيرة التي تحمل معاني عقدية أو تشريعية أو أخلاقية كبرى في ألفاظ قليلة، دون أن يشعر القارئ بنقص أو اختزال. فالإيجاز هنا ليس حذفًا، بل تركيز، يجعل المعنى مشحونًا، مشدودًا، لا فراغ فيه. كما أن كل قطعة من القرآن تحتفظ بخصائص البيان العامة نفسها: الوضوح، والعمق، والتناسق، وقوة الإيقاع، سواء كانت مكية أو مدنية، طويلة أو قصيرة. وهذا الثبات في المستوى البياني عبر التنزيل المتدرج دليل على أن المصدر واحد، والعلم واحد، والقصد واحد. فإن الإعجاز لا ينتظر اكتمال القرآن، بل يظهر مع كل آية، ومع كل مقطع، مما يجعل التحدي قائمًا في كل لحظة، ويؤكد أن هذا الكلام لا يصدر عن طاقة بشرية تتفاوت وتضعف، بل عن مصدر لا يتغير ولا ينفد.