هناك سردية تاريخية شائعة بشكل كبير في أوساط الفكر العربي تؤكد أن ترجمة كتب اليونان كانت مرحلة مفصلية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وحققت للمجتمع العربي فرصة الانتقال في سلم التطور العقلي من حالة اللا وعي إلى الوعي، أو من مرحلة الظلامية إلى مرحلة التنوير. وهذه الرؤية شائعة وتعد مسلمة لا تقبل الجدل، ويؤمن بها حتى أكثر الأفراد محافظة وتمسكا بالتراث، وهي في واقع الأمر تخدم فكرة تفوق العقل الغربي وترسخ فكرة أن الحضارة العربية الإسلامية مجرد وسيط ناقل فقط بلا إبداع ذاتي، وهي رؤية أقرب إلى خطاب أيديولوجي متحيز منها إلى تحليل تاريخي محايد. وفي مقالنا اليوم سأقدم وجهة نظر مخالفة تماما للاعتقاد السائد؛ وأقول إن العرب المسلمين، في الحقيقة، لم يترجموا كتب اليونان ولم يكن لهم دور بارز في الترجمة من اليونانية والسريانية والآرامية والقبطية إلى العربية، فالحضارة العربية الإسلامية أساسا قطعت أشواطا هائلة في سلم التقدم قبل الاطلاع على كتب اليونان، وترجمة تراث اليونان كانت في الحقيقة مجرد «تحصيل حاصل» أو نتيجة لاحقة لواقع متحقق بالفعل، صحيح أن رجال الدولة كلفوا بعض الشخصيات العلمية بالترجمة، ولكنها ترجمة محدودة الحجم والنطاق دافعها سياسي محض للتعرف على معتقدات الأقليات الثقافية في المجتمع العربي، وتسهيل عملية إدارة التنوع الثقافي في المجتمع، والترجمة لهذا الدافع السياسي كانت محدودة النطاق وليست مشروع دولة ضخم كما تؤكد كثير من الأطروحات الفكرية التي تسببت في ترسيخ إشكالية حقيقية في كتابة تاريخ العلوم عند العرب. تاريخ العلوم عند العرب يقوم على سردية متحيزة تصور العرب أنهم كانوا في حالة جهل وظلامية، ثم جاءت الترجمة فأنقذتهم عقليا، وهذا الخطاب مستورد من فلسفة التنوير الأوروبي وتفترض تطورا خطيا واحدا للعقل البشري، وتخدم ضمنيا فكرة تفوق العقل الغربي تاريخيا. في الحقيقة النصيب الأكبر من الترجمة تفرغ له أهل الذمة وبعض الأقليات الثقافية في المجتمع، فالترجمة كانت مشروع نخب دينية ذات تكوين كنسي وليس مشروع دولة شامل كما يصور ويتفرغ له العلماء والمترجمون من كل أطياف المجتمع. فاللغة العربية التي حملت الإسلام وارتبطت بالنص القرآني أصبحت الوعاء الجديد للمسيحية أي أنها أصبحت أيضا «لغة كنيسة» وطقوسا كنسية. بعد سقوط مملكتي الروم وفارس وقيام نظام عالمي جديد مرجعيته الإسلام، أصبحت العربية لغة الدولة والإدارة والاقتصاد والأدب؛ لذلك احتاجت الشعوب غير العربية (النخب الدينية تحديدا) لنقل معارفها السابقة إلى العربية لغة التداول الجديدة، بالتالي كانت الترجمة وسيلة لدمج المعارف الدينية القديمة إلى لغة القوة السائدة. كانت المسيحية تعاني في ظل هذه التحولات الحضارية الكبرى، مشكلة التضاؤل الديموغرافي نتيجة الذوبان التدريجي داخل الثقافة العربية السائدة، التي تتمحور حول النص القرآني بما يحمله من قوة تأثير نفسي وخطاب ثقافي مركزي، فالتضاؤل الديموغرافي لم يكن قسريا مباشرا بل نتيجة ديناميات ثقافية طويلة الأمد، جعلت أتباع الدين الجديد في تزايد مستمر. ويمكن القول إن الترجمة في ظل المجتمع الإسلامي كانت سلوكا لا واعٍ واستراتيجية بقاء لإعادة تعريف الهوية وسط وعاء لغوي جديد، والترجمة في هذه الحالة ضرورة وجودية كي لا تحدث قطيعة لغوية بين النصوص الدينية المسيحية وبين الجماهير التي باتت العربية تمثل لها لغة حياة مشتركة. الترجمة عند الشعوب غير العربية (المسيحيون تحديدا) كانت تحولا ثقافيا من مسيحية سريانية أو مسيحية يونانية أو مسيحية قبطية إلى مسيحية معربة وهو خيار حتمي في ظل ظروفهم الجديدة، إما خيار الترجمة والاندماج أو خيار العزلة والانكماش والتهميش الثقافي، ويترتب على ذلك تغيير المفاهيم وإعادة صياغة العقائد بل واستخدام مصطلحات إسلامية أحيانا لشرح العقيدة المسيحية، فالحرية الدينية في المجتمع الإسلامي منحت غير العرب الفرصة ليكونوا فاعلين ثقافيين ويشاركوا في إنتاج المعرفة والجدل الديني. ومن الناحية التاريخية كلما وصل المسيحيون إلى ظروف ثقافية جديدة تطورت خبراتهم في ترجمة الكتاب المقدس وما يتعلق به من تعاليم وأناشيد طقسية إلى اللغة السائدة ونشر رسالة الإنجيل في أنماط التفكير والمصطلحات الخاصة بظروفهم الاجتماعية الجديدة، وبعد سقوط مملكتي الروم وفارس باتت هناك ضرورة ملحة وإن كانت تدريجية لتحويل اللغة العربية إلى لغة كنيسة وطقوس وأناشيد دينية. وترجمة تراث الفلسفة اليونانية لم يكن مشروعا علميا محايدا لأن التراث اليوناني ارتبط تاريخيا بأسئلة لاهوتية مسيحية، فترجمة كتب الفلسفة لم تكن اهتماما بالفلسفة لذاتها بل لأن العقائد المسيحية قائمة على الثالوث والتجسد والحلول والعلاقة بين الواحد والمتعدد وعلاقة اللاهوت بالناسوت، وهذه قضايا لا بد منها للمنطق والميتافيزيقا ومفاهيم الجوهر والعرض والعلة في الثقافة اليونانية التي ارتبطت لغويا وثقافيا بالمسيحية عبر تاريخها الطويل. وفي ظل انشغال أهل الذمة بالترجمة كان العلماء المسلمون منشغلين بتأسيس علوم جديدة بالكامل، وبناء أدوات عقلية ولغوية غير مسبوقة، ولم تكن الترجمة محور اشتغالهم العلمي الأساسي. ولأن النص القرآني كان محور الاهتمام نشأت من داخل النص ولحمايته علوم القرآن الكريم كعلم القراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وإعجاز القرآن، إضافة لعلوم الحديث وما تتضمنه من منظومة علمية شاملة لتوثيق الحديث كالجرح والتعديل وعلم الرجال ونقد السند والمتن. ولأن الحضارة الإسلامية كانت حضارة فقه كما يصفها المفكر محمد عابد الجابري نشأت أفكار فقهية فريدة كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وهي علوم كاملة لتقنين الاستدلال. ولسد الحاجات الفقهية نشأت علوم لغوية ومنهجية مساندة كالنحو والصرف والبلاغة والنقد. وكلها علوم نشأت من داخل النص القرآني وليس للتراث اليوناني والترجمة علاقة مباشرة بها.