في زمن تتسارع فيه الصور وتتضاءل الكلمات، أصبح الإعلام السياحي ليس مجرد نافذة للترويج، بل مرآة تعكس روح الوطن، وأداة تصنع الانطباع الأول، بل والذاكرة الأجمل. ولم يعد الإعلام السياحي محصورًا في عرض الأماكن، بل تحوّل إلى لغة حضارية تروي الحكايات، وتُجسّد القيم، وتبني جسورًا وجدانية بين المكان وزائره. ومن خلال مشاركتي في ملتقى أسبار، ضمن لجنة الشؤون الثقافية والسياحة، في جلسة «إكسبو بين الثقافتين اليابانية والسعودية»، تلمّسنا كيف قدّمت اليابان نفسها للعالم كقصة متكاملة: انضباط، وهوية، وجمال، عبر إعلام يفهم رسالته. واليوم، ومع استعداد المملكة لاستضافة إكسبو 2030، تتجاوز الرؤية حدود «المعرض» إلى «الحضارة»، وتهدف إلى تقديم السعودية كما هي، بلد القيم، والهوية، والضيافة، والتقدم بثبات. وهنا، يبرز دور الإعلام السياحي الناضج، أن يُعبّر عن الوطن بذكاء، ويُصيغ الرسالة بلغة العالم، ويصل إلى قلب الزائر قبل خطوته الأولى. وتأتي بعده قيمة الكرم المنضبط، كأحد أعمدة التجربة السياحية، لا على هيئة مبالغة أو تكلف، بل كفلسفة راقية تضع الزائر موضع تقدير وطمأنينة، وتعكس عمق الإنسان السعودي. فالسياحة ليست فقط في جودة الخدمة، بل في صدق الشعور، واتساق الرسالة، ودفء الانطباع. وكلما امتزج الوعي الإعلامي بالكرم الحقيقي والهوية الأصيلة، تحوّلت الزيارة إلى تجربة لا تُنسى. وأخيرًا، فإن السائح لا يأتي بحثًا عن مبانٍ شاهقة فقط، بل عن قصة تُروى، ووجهٍ يبتسم، وتجربة تبقى. وإكسبو 2030 ليس مجرد حدث عالمي، بل فرصة لتقديم الرواية السعودية بلغة العالم، رواية تُكتب بكفاءة إعلامية ناضجة، وتُوقّع بروح الكرم المنضبط، وتُروى من خلال أنسنة الإنسان والمكان. إنه ليس معرضًا فحسب، بل مساحة شعور، تُجسّد فيها السعودية قوتها الناعمة، وتبني جسورًا من الانطباعات العميقة مع الزائرين. وهكذا تتحول السياحة من قطاع اقتصادي، إلى رسالة وطنية، وإلى «نفط جديد» يُستخرج من جمال الهوية وروعة التجربة. خارطة الطريق نحو إكسبو 2030 تبدأ من فهم العمق الثقافي، وتمر برفع وعي المجتمع، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتصل إلى إعلامٍ ذكي يصنع التأثير، لا الضجيج. فالمملكة لا تُراهن فقط على البنيان، بل على الإنسان، وعلى سردية تُحاكي العالم من قلب هويتها. وهنا، يتجلى التحدي الأجمل: أن نروي حكايتنا كما يجب أن تُروى.