دلّت الإدانات العربية الواسعة لإسرائيل بعد التوغّل في بلدة بيت جن في ريف دمشق على استشعار خطر غير عادي، بسبب طبيعة الموقع وسقوط عدد كبير من القتلى من أبناء عائلات البلدة. حصلت وتحصل توغلات يومية في مناطق الجنوب السوري، وبات الإسرائيليون يصفون دخولهم وإقامة حواجز والتحكّم بحركة المواطنين واعتقال عدد منهم بأنها «عمليات اعتيادية». هذه المرّة الثانية التي يأتون فيها لاعتقال أشخاص من بيت جن، الأولى كانت في حزيران (يونيو) الماضي، بذريعة أنهم ربما يفكّرون في «التوغّل البري لمستوطنات الجولان»، وفقًا لشروح قدمها وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى لجنة في الكنيست قبل ساعات من العملية. وفي هذه الجلسة قال إن هناك يمنيين «حوثيين» يستعدون للهجوم على إسرائيل انطلاقًا من سوريا. هذا نموذج للسياسي الكاذب الذي بالكاد يصدّق نفسه، لكن حروب العامين الماضيين أظهرت أن الكذب أحد أسلحة إسرائيل لإضفاء «مشروعية» على جرائمها. والمشكلة في مَن صدّقها ولا يزال يدعمها، ولو بالصمت. مكمن الخطر في هذه الواقعة أنها أرادت إخضاع بلدة وترمي إلى إخضاع بلد، أو أكثر، بتطبيق قاعدة «عدم السماح لأي جهة بأن توجد قرب الحدود». إنه هاجس «7 أكتوبر» الذي يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون لابتزاز بعضهم بعضًا، ولابتزاز واشنطن وغيرها، فيما هم يتهربون الآن من فتح ملفّه للتحقيق، أو يحاولون للمرّة الأولى في تاريخهم التلاعب المسبق بهذا التحقيق. وأصبح مؤكدًا أن طريقة تعامل الحكم السوري الحالي مع اعتداءاتهم تزعجهم، إذ اعتمد، مرغمًا وليس مخيّرًا، عدم المواجهة العسكرية، وكرّر طوال الشهور الماضية أن سوريا «لا تريد أن تكون تهديدًا لأي دولة». ربما توقّع الإسرائيليون، أو أرادوا، أن تجنّد دمشق ما يتوفّر لديها من مقاتلين لمحاربتهم، ولو فعلت كما في الساحل والسويداء، لكانوا أنزلوا هزيمة بالحكم الجديد لإسقاطه بُعَيد انتصار، واستطرادًا لمدّ احتلالهم إلى دمشق وأبعد منها. ليس هناك ما يؤكد أنهم تخلّوا عن هذا الهدف، سواء لأن الخلل الكبير في ميزان القوى لا يزال يغريهم، أو لأن سوريا ركن أساسي في «الشرق الأوسط الجديد» الذي وعدوا أنفسهم به، ويرون الآن أن الأمريكيين ينافسونهم عليه. غداة سقوط النظام السابق، ووسط صمت وتجاهل دوليين، دمّرت إسرائيل أكثر من 80% من القدرات الدفاعية السورية، واحتلت المنطقة العازلة (بموجب اتفاق 1974) ثم توسّعت. لذلك وافقت دمشق على التفاوض عندما توسّط الأمريكيون لرعايته وحددوا له هدفًا هو «اتفاق أمني»، ولم يلحّوا على «التطبيع» لأن سوريا «غير مؤهلة» له حاليًا. اعتقدت دمشق أن التفاوض يمكن أن يدور على مبادئ مثل «عدم الاعتداء» المتبادل، أو «احترام متبادل للسيادة على الأراضي». لكن إسرائيل لم تهتم بمبادئ أسقطتها لتوّها، فما تسعى إليه استثمار لحظة ضعف سوريا لفرض إرادتها بانتزاع اعتراف سوري ب«السيادة الإسرائيلية على الجولان» امتدادًا إلى المنطقة العازلة، جعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح ولا سلطة للدولة السورية عليه، وقبول دمشق بأن تكون لإسرائيل علاقة نفوذ مع الدروز في السويداء وكرد «قسد» في الشمال الشرقي... على الرغم من محاولة واشنطن أن تبدو إيجابية و«حسنة النيّة» تجاه دمشق، واستقبال الرئيس السوري في البيت الأبيض، إلا أن إدارة ترمب لم تسحب تبرير «الضرورات الأمنية» الذي قدّمته إدارة بايدن لتدمير إسرائيل الترسانات السورية، كما أن ترمب ليس في وارد التراجع عن اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، وإذا كان المبعوث توم برّاك يدافع عن وحدة سوريا فإن سكوت رئيسه وإدارته عن محاولات إسرائيل علنًا العبث بهذه الوحدة (عبر مسألة الأقليات) يطرح تساؤلات عن النيات الحقيقية للسياسة الأمريكية تجاه سوريا. إخفاق المفاوضات السورية / الإسرائيلية في التوصّل إلى «اتفاق أمني» للتعامل بكل الضمانات الممكنة مع الوضع الراهن على حدود، لا بدّ أن يكون موضع مراقبة عن كثب من جانب الدولة اللبنانية فيما هي تراهن بقوّة على خيار التفاوض (غير المباشر) مع إسرائيل. فدمشق لم تتردّد حتى في التفاوض المباشر، ولم تكن هناك أي معارضة في سوريا لأيّ تفاوض، ومع ذلك لم تحرز اتفاقًا يمكن أن يريح نسبيًا وضعها الداخلي. وقد لمس المفاوض السوري استحالة الاتفاق لأن إسرائيل تدفعه إلى التخلّي عن النقاط الجديدة التي احتلتها بعد «8 ديسمبر 2024» تاريخ سقوط النظام الأسدي. وبالنسبة إلى لبنان فإن إسرائيل وواشنطن ترجئ أي تفاوض معه إلى ما بعد المواجهة المقبلة، وهو سيواجه الاستحالة ذاتها لأن إسرائيل تريد البقاء في التلال الخمس التي تحتلها، باعتبارها امتدادًا لجبل الشيخ الذي احتلته في الجانب السوري، كما أنها ستسعى إلى فرض «المنطقة العازلة» التي جرفت ما فيها من عمران وأراضٍ زراعية. * ينشر بالتزامن مع موقع النهار العربي.