كلُّ ظلمٍ يُسمَع.. وكلُّ أذى يُرى.. وكلُّ شيءٍ محسوب، وعند الله مكتوب. إن الله لا يغفل، ولا ينسى. كم من كلمةٍ أُطلقت بلا حق، كذبًا وافتراءً..! ظنّ صاحبها أنها ذهبت مع الخفاء… وكم من افتراءٍ قيل في الظل.. واعتقد قائله أن الخفاء شهادةُ براءة! الظلم لا يحتاج أن يكون كبيرًا ليُكتَب، ولا صاخبًا ليُقتَصّ له. تدليسٌ وكذب، وتجنٍّ مغلّف بحسن النيّة… كلها تُسجَّل. وإن تأخّر الحساب، فللعدل موعد. تقول نظرية الفراشة إن رفّة جناح قد تغيّر مسار إعصار. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ سورة يس، الآية 82 تخيّل معي: أن رفّة جناح فراشة في مكانٍ ما قد تُحدث — عبر سلسلةٍ معقّدة من التغيّرات — إعصارًا في مكانٍ آخر. ليس لأن الرفّة قويّة، بل لأن الأنظمة المعقّدة شديدة الحساسية للبدايات الصغيرة. ظهرت نظرية الفوضى في علميّ الرياضيات والفيزياء، وارتبطت بالعالِم إدوارد لورينز أثناء دراسته لتوقّعات الطقس، حين اكتشف أن فرقًا ضئيلًا جدًا في الأرقام قد ينتج عنه تغيّر هائل في النتائج. نحن نستعجل العدالة… والله يُتقنها. قد يمشي الظالم واثقًا، وقد يظن أن الطريق مُهِّد له، وقد يُصفّق له الناس، لكن الدائرة لا تتوقف… إنما تدور بصمت. والمظلوم، وإن لم يُنصفه البشر، فله ربٌّ لا تُخطئ موازينه. وقد يرفّ جناحُ فراشة، فيُبدّل الله به موازين القوّة، ويأتي الحق من حيث لا يُحتسب. فإن تأخّر الحساب… فلن يفوت العقاب. ليس كل تأخيرٍ إهمالًا، ولا كل إمهالٍ أمانًا. فالله سبحانه مُسبّب الأسباب. وكما أن رفّة جناح فراشة قد تغيّر طقسًا، وتحرّك إعصارًا، فإن دمعة مظلوم قد تغيّر مصيرًا. فاطمئن… يا من تقرأ الآن، من آذاك لن يسبق الله، ومن تجنّى لن يفلت، ومن ظنّ أن الخفاء يحميه، نسي أن الله يرى. وفي الختام أقول: ليست نظرية الفراشة فكرةً علمية فحسب، بل شاهدًا خفيًا على وعدٍ قديم: أن العدل آتٍ ولو بعد حين، وأن ما لا يراه البشر، يراه ربّ البشر. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ بقلم/ حصة الزهراني ماجستير في العلاقات العامة والإتصال المؤسسي