الإنسان هو المستفيد الأول من كونه محترماً للمحترمات، واقفاً عند حدود الشرع والنظام والعرف، فكلما التزم بالممكن من هذا احتاط لنفسه، أما حدود الشرع ففي احترامها والاحتياط لها سلامة الدين والعرض، وأما حرمات الناس فمن احترمها لم يجعل لهم على نفسه سبيلًا، وتمحضت مظلوميته إن تعرضوا له، ومن انتهك حرمات الناس فقد جعل على نفسه سبيلًا، وهو معرض لأن يُنتصف منه بألسنتهم، وبواسطة القضاء.. الإنسان مطالب أن يعرف الحدود التي يليق به أن يقف عندها، ولا يحسن به أن يتخطاها، وهذا الأدب من أوائل ما يلزم الوالدين تنشئة الذرية عليه، حتى إن الناس متعودون على تقدير مربي المتأدبين بهذه الآداب، وقد يغمز بعض الناس مربي المخلين بالآداب، فإذا بلغ الإنسان وصار مسؤولاً عن نفسه خوطب شخصياً بمراعاة هذه الحدود، وهي متنوعة ومتفاوتة، فمنها الواجب اللازم شرعاً أو عرفاً أو نظاماً، ومنها المستحب الذي لا ينبغي لأهل المروءة الزهد فيه وإن لم يوصف بالوجوب، والوقوف عند الحدود المرسومة يكون بأن يحترم الإنسان كل محترمٍ شرعاً وعرفاً ونظاماً، فلا ينتهك حرمةً شخصيةً أو معنوية، وبقدر شيوع هذه الخصلة في المجتمعات يسودها الأمن والطمأنينة، وتتوفر لها الحياة الكريمة؛ ولهذا نرى في التاريخ وفي الحاضر ارتباط الاستقرار والازدهار بسيادة الاحترام، ومعرفة كل إنسانٍ ما له وما عليه، فبذل الاحترام للأشخاص والمقدسات سمة أساسية للسلوك البشري المعتدل القائم على قواعد الشرع والنظام والقيم النبيلة، وبالمقابل إذا تخلى الناس عن احترام الحرمات سادت الفوضى، وعمّ الهرج والمرج، ولم يبت أي فردٍ منهم آمناً على ما يهمه، وفي مقدمة ذلك حفظ الضروريات الكبرى، وهي الدين والنفس والعقل والمال والعرض، فليس سلوك الاحترام ترفاً أخلاقياً متروكاً ليظهره بعض النبلاء، بل من الضروري أن يتحراه الجميع، ولي مع الاحترام وقفات: الأولى: الإنسان هو المستفيد الأول من كونه محترماً للمحترمات، واقفاً عند حدود الشرع والنظام والعرف، فكلما التزم بالممكن من هذا احتاط لنفسه، أما حدود الشرع ففي احترامها والاحتياط لها سلامة الدين والعرض، كما يدل عليه حديث النعمان بن بشيرٍ رضي الله تعالى عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراعٍ يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملكٍ حمًى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه.."، أخرجه مسلم.. وأما حرمات الناس فمن احترمها لم يجعل لهم على نفسه سبيلاً، وتمحضت مظلوميته إن تعرضوا له، ومن انتهك حرمات الناس فقد جعل على نفسه سبيلاً، وهو معرض لأن يُنتصف منه بألسنتهم، وبواسطة القضاء، فعن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته"، أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني.. ومعنى ليّ الواجد: مطل الغني، وإذا لم يحترم الإنسان الآخرين، وتطاول عليهم بلسانه، ثم ردوا عليه كان ملوماً على ما يترتب على سلوكه، فلو سبهم وسبوه بالمثل لكان عليه مسؤولية ذلك، فكأنه سب نفسه، فعن عبدالله بن عمرو، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه"، أخرجه البخاري. الثانية: المعظمات الشرعية من أشخاص وأماكن يجب احترامها، ومراعاة ما قرره الشرع في ذلك، ولكلٍ منها أنماط الاحترام المطلوب، أما الأشخاص ففي مقدمتهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومراعاة حرمته العظيمة تتجلى في تصديقه ومحبته وتعظيمه واتباع سنته، وغير ذلك مما هو مسطور في محله، ومراعاة حرمة آله وأزواجه وصحابته، وكذلك للعلماء الربانين حق الاحترام؛ لأنهم ورثة الأنبياء عليهم السلام، ومن الأشخاص الواجب احترامهم الوالدان، فقد قرن الله تعالى الأمر بشكره بالأمر بشكرهما، فقال: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير"، والأماكن المعظمة شرعاً المساجد التي هي بيوت الله، فعلى الإنسان تنزيهها عن كل ما لا يليق بعظمتها، من سلوك لا يليق ودنسٍ حسي، وللحرمين الشريفين خصوصية في ذلك؛ لكون المكان حرماً، يحظر فيه بعض ما يباح في غيره مما هو معلوم، وفي هذا تنويه بمكانته. الثالثة: من الأشخاص المعظمين شرعاً ولي الأمر، واحترامه عبادة يستحق فاعلها ثواباً جزيلاً عند الله تعالى، فعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أجلّ سلطان الله أجلّه الله يوم القيامة"، أخرجه الطبراني، وحسنه الألباني، ومن أخل بها عوقب بالهوان جزاءً وفاقاً، فقد أخرج الترمذي عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله"، صححه الألباني.. وهذه الشعيرة من الفوارق الواضحة بين أهل السنة والمبتدعة، ففي أصول أهل السنة والجماعة بذل السمع والطاعة للسلطان ومراعاة حرمته وإجلاله، وأهل الأهواء والبدع بعضهم لا يلتفت إلى هذا الأصل، وبعضهم يحاول الالتفاف عليه بتنظيمٍ موازٍ يبذل له من الولاء والتبعية ما هو حق للسلطان، فيكون مخلاً بواجب السمع والطاعة.