يجب عدم النظر إلى سكك الحديد على أنها مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي تحقق أهدافاً استراتيجية مهمة، مثل تعزيز التكامل الإقليمي، وتشجيع السياحة، ودعم حركة التجارة، وتطوير منظومة النقل البري المستدام بين الدول.. أظهرت الحرب الحالية أهمية تطوير بدائل لوجستية لمضيق هرمز، وقد ظهر بُعد نظر سمو ولي العهد في هذا الأمر، في أول لقاء له مع مجلس التعاون عام 2016 حين أكد أهمية تطوير الربط اللوجيستي، من خلال وسائط متعددة، فيما بين دول المجلس ومع بقية دول العالم، أي توظيف الموقع الفريد للمملكة ومنطقة الجزيرة العربية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وطرح سموه منذ سنوات فكرة ربط الرياض مع عواصم دول المجلس بقطارات فائقة السرعة، وشاهدنا في شهر ديسمبر الماضي بدء تنفيذها على أرض الواقع بتوقيع اتفاقية تنفيذ مشروع قطار فائق السرعة بين الرياضوالدوحة، مروراً بالدمام والهفوف ومطاري الدوحةوالدمام. وهناك مشاريع مشابهة في مراحل مختلفة مع عواصم خليجية أخرى. وفي عام 2023، في اجتماع مجموعة العشرين في الهند، كان سموه من أوائل المرحبين بمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والقارة الأوروبية، الذي يتضمن مسارات بحرية وبرية بما في ذلك سكك الحديد، يمر معظمها عبر أراضي المملكة أو موانئها. وفي عام 2024، في كلمته أمام القمة الخليجية - الأوروبية الأولى في بروكسل، أشار سموه إلى ضرورة الإسراع بربط المنطقتين بسكك حديدية. ولا شك أن ربط أوروبا بمنطقة الخليج عبر سكك الحديد سوف يُحدث نقلة لوجستية واستراتيجية كبيرة، ففي القارة الأوروبية أطول شبكة للقطارات في العام، تجاوز طولها 230 ألف كيلومتر، ويقول الأوروبيون إن القطار وحّدهم، وأن شبكة سكك الحديد تشكل "العمود الفقري" لأوروبا. أما الصين فهي مثال آخر يُظهر ارتباط سكك الحديد بالنمو الاقتصادي، حيث بلغ طول الشبكة الصينية خلال فترة وجيزة نحو 140 ألف كيلومتر، وما يميز الصين عن غيرها هو شبكة القطارات فائقة السرعة، التي تجاوز طولها 50 ألف كيلومتر، وهو أمر مذهل حين نعرف أن أول قطار سريع فيها منذ 18 عاماً فقط. وقد كانت المملكة سباقة في منطقة الخليج ببناء سكك الحديد، حين افتتح الملك المؤسس خط الدمام - الرياض عام 1951، إلا أن التوجه بعد ذلك كان لتوسعة شبكة المطارات والطرق البرية، وعلى مدى عقود طويلة ظل ذلك الخط وحيداً، إلا أن إدراك أهمية بناء سكك الحديد خلال السنوات القليلة الماضية أدى إلى زيادة نطاقها بنحو عشر مرات، حيث قارب طول الشبكة حالياً 5000 كيلومتر. وفي الأسبوع الماضي، توقع صالح الجاسر، وزير النقل والخدمات اللوجستية، استكمال دراسة الربط السككي مع تركيا، مروراً بالأردن وسوريا، قبل نهاية 2026. وكانت دول مجلس التعاون قد اتقفت من حيث المبدأ في عام 2009 على دراسة الربط السككي مع تركيا، وقامت المملكة بمتابعة هذا الموضوع، إلا أن الحرب في سوريا التي بدأت عام 2011 أخرت المشروع. ولكن تغير الوضع في سوريا جعل تنفيذ المشروع ممكناً، خاصة أن الشبكة السعودية للسكك الحديدية وصلت إلى الحدود الأردنية الحديثة، وهو ما لم يكن موجوداً وقت إقرار الفكرة منذ 17 عاماً. وسيحقق تنفيذ هذا الخط هدفين رئيسيين، فسيكون أحد شرايين الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا مروراً بالمملكة، وفي الوقت نفسه يربط المنطقة بطريق الحرير البري الذي يمتد حالياً من الصين إلى أوروبا. ويجب عدم النظر إلى سكك الحديد بأنها مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي تحقق أهدافاً استراتيجية مهمة، مثل تعزيز التكامل الإقليمي، وتشجيع السياحة، ودعم حركة التجارة، وتطوير منظومة النقل البري المستدام بين الدول. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الحرب بين أميركا وإيران الحاجة إلى بناء مسارات لوجستية متعددة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، فإذا لم توجد البدائل فإن إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى ركود اقتصادي كبير، حيث فقدت بعض دول المنطقة أكثر من نصف دخلها، ووظفت إيران هذا الإغلاق لخدمة أهدافها العسكرية بالضغط على الولاياتالمتحدة لإيقاف الحرب دون أن تقدم طهران أي تنازلات أخرى.