برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح استثنائي لجهود الوساطة بين الولاياتالمتحدة والجمهورية الإيرانية منذ عقود، في أعقاب هدنة هشة توسطت فيها باكستان بين الطرفين. ولم يكن اختيار باكستان لهذا الدور المحوري وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع مركب للمصالح الاستراتيجية والروابط الجيوسياسية والدبلوماسية المكوكية التي قادتها القيادة المدنية والعسكرية في إسلام آباد. ففي ظل التصعيد الذي هدد بجر المنطقة بأسرها إلى حرب شاملة، وتلويح الرئيس ترمب بتدمير البنية التحتية الإيرانية بالكامل، برزت الحاجة الماسة لوسيط قادر على اختراق جدار انعدام الثقة الطويل بين واشنطنوطهران. ومن هنا وجدت إدارة الرئيس ترمب في باكستان شريكًا يمتلك القدرة على التأثير على صانع القرار الإيراني. ولعبت الكيمياء الشخصية بين ترمب وقائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، دورًا حاسمًا في تسهيل الوساطة، خاصة أن ترمب وصف منير بأنه «المارشال المفضل» لديه واستضافه في مأدبة غداء غير مسبوقة في البيت الأبيض. وتعززت هذه الثقة بعد نجاح باكستان في توفير قناة اتصال خلفية فعالة في كثير من الأحداث بعيدًا عن البيروقراطية التقليدية. إلى جانب ذلك أدركت واشنطن أن باكستان تمتلك فهمًا عميقًا للتعقيدات الداخلية في إيران، وهو ما قاله ترمب علنًا حين وصف الباكستانيين بأنهم «يعرفون إيران جيدًا، أفضل من معظم الدول». وهذا الفهم ساعد أيضًا في تأهيل إسلام آباد لتكون قناة مثالية لنقل الرسائل الأميركية الصارمة بطريقة يمكن لطهران استيعابها. ويعزّز ذلك أن العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد تتجاوز البعد الأمني لتشمل مصالح اقتصادية متنامية، وآخرها استثمارات محتملة في المعادن الحرجة الضرورية للأمن القومي الأميركي. من الجانب الإيراني مثّلت باكستان خيارًا آمنًا في وقت تشعر فيه طهران بحصار إقليمي ودولي خانق، وتنظر بعين الريبة إلى أي دولة تعرض الوساطة. أما باكستان التي سارعت منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب إلى إدانة الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فقد حظيَ موقفها بتقدير كبير في طهران. علاوة على ذلك حافظت القيادة الباكستانية على قنوات اتصال مفتوحة مع القيادة الإيرانية، مما ساعد على الموافقة الإيرانية باختيار إسلام آباد لعقد المفاوضات غير المباشرة. وهناك أبعاد أخرى لا يمكن إغفالها؛ وتتمثل في الروابط الجغرافية والديموغرافية التي تجمع البلدين؛ فباكستانوإيران تشتركان في حدود برية يبلغ طولها نحو 909 كيلومترات، مما يفرض عليهما تعاونًا أمنيًا واقتصاديًا وثيقًا. والأهم أن باكستان تحتضن ثاني أكبر تجمع للمسلمين الشيعة في العالم بعد إيران، بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة من السكان. وهذا التداخل الديموغرافي يمنح باكستان «ثقلًا معنويًا» ويجعل استقرار إيران مصلحة أمنية قومية لباكستان، وهو ما تدركه طهران جيدًا وتثق في أن إسلام آباد لن تتخذ مواقف تضر بأمنها القومي. من جهة أخرى؛ لم تكن باكستان مجرد «ساعي بريد» محايد في هذه الأزمة، بل كانت مدفوعة بمصالح حيوية وتهديدات واضحة حتمت عليها التدخل بقوّة لوقف الحرب. فقد كانت تواجه سيناريو مرعبًا يتمثل في استمرار اشتعال حدودها الغربية مع إيران، في وقت تخوض فيه «حربًا مفتوحة» ضد حركة طالبان على حدودها وتراقب بحذر جبهتها الشرقية مع الهند. علاوة على ذلك فإن أي تصعيد طائفي داخل باكستان نتيجة للحرب في إيران سيهدد السلم الأهلي، خاصة بعد الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في كراتشي تنديدًا بمقتل خامنئي. اقتصاديًا؛ يعتمد الاقتصاد الباكستاني الهش بشكل كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط وعلى تحويلات ملايين العمال الباكستانيين في دول الخليج. فهي بذلك في عين العاصفة وتضررت بشدة من تداعيات الأزمة الاقتصادية جراء اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، مما جعل وقف إطلاق النار ضرورة باكستانية اقتصادية ملحة. سياسيًا؛ رأت القيادة الباكستانية، بشقيها المدني والعسكري، في هذه الأزمة فرصة ذهبية لإعادة تقديم باكستان كقوة إقليمية مسؤولة وصانعة للسلام.. ويبقى السؤال معلقًا فوق طاولة المفاوضات المتعثّرة: هل ستنتصر «براغماتية الضرورة» على «أيديولوجيا المواجهة»؟ * قال ومضى: إنها النار؛ وأول زادها ذاك الذي جلب الحطب..