لا بأس أن تشجع ناديًا رياضيًا من باب الترفيه، وتتابع أحيانًا بعض مباراياته إذا سنحت لك الفرصة، فذلك من شأنه أن يكسر رتابة الأيام؛ وما من شك أنّ الانتماء المعنوي لنادٍ ما وخصوصاً كرة القدم له إيجابيات في الجانب الاجتماعي والنفسي. لكن بعض الأشخاص الذين بالغوا في التشجيع ومتابعة النادي واللاعبين أكثر من متابعتهم لحياتهم الشخصية والعائلية، يبدون من وجهة نظر نفسية أنّهم لجؤوا إلى التعصب للتغطية عن عجزهم في تحقيق الإنجازات حياتهم الشخصية، فهم يميلون دون شعور أو دافع مقنع إلى التعلّق المفرط بالانتماء لنادي معيّن أو لاعب ما، وذلك التشجيع الجنوني ما هو إلّا فخ لمغارة التعصّب الرياضي كظاهرة عالمية وليست محلية فحسب. فنجدهم يُفرغون بتشجيعهم وصراخهم توترَهم الداخلي وإحباطاتهم، وهم بذلك يفرّون من فشل ما، من واقع سيئ أحاط بهم، فنجدهم يبالغون بتشجيع فريق ما بحثاً عن شعور بالسعادة الزائفة، سعادة لم يجدوها في واقعهم المعاش. وفي حال هزيمة فريقهم، يذرفون الدموع ويزدادون إحباطاً أكثر مما هم عليه في واقعهم، تلك الدموع والحسرات كان من الأولى وقوعها عند الإخفاقات والخسارات الشخصية من أجل تفاديها مستقبلاً. إن لم يكن هروباً من مواجهة الفشل، ما الذي يدفع شخصاً ما للتعصب الرياضي؟ وقد تجده لا يمارس الرياضة من الأساس وليس لاعبًا حتى على مستوى الحارة أو المدرسة! ولا ينتمي عمله إلى مؤسسة رياضية؟ هكذا فقط، لتقليد سلوك الآخرين دون تفكير. ما الذي سيجلب له هذا التعصّب! وهو لا يملك أي مصلحة مباشرة ما! بل إنّ البعض يصل به النَزَق والتعصّب حد القطيعة مع أقاربهم أو زملائهم، لا يفكر إطلاقاً أنّ نجاح الفريق هو إنجاز مؤسسي بحت، يخص إدارة النادي، وأنّ نجاح اللاعب هو نجاح شخصي يخصه هو وعائلته فحسب، وليس للمتعصّب أيُّ مصلحة سوى حرق أعصابه وضياع الأهداف الشخصية -كالتفوق في الدراسة والعمل-، إذ كان ينبغي العمل عليهما بجد ومسؤولية. هذا التشجيع الجماعي والتعصّب الجنوني هو من منح بعض اللاعبين ملايين الدولارات التي لا يستحقونها وحُرِمَ منها موهوبون حقيقيون أثرُوا الحياة الإنسانية وخفّفوا صعوباتها بإبداعاتهم ومبتكراتهم. لا نجد شخصاً متّزنًا وناجحًا متعصباً لفريق ما، غالباً، أمثال هذا النموذج يمتلكون معنىً واضحاً لحياتهم، لديهم ما يكفي من الدوافع لتحقيق إنجازات وأهداف معينة وغالباً يصلون إليها.. وهؤلاء منشغلون على الدوام، وحينما يشاهدون المباريات، يشاهدونها كنوع من التسلية لا أكثر. الخلاصة، أليس من الأحرى أن يسعى المُتعصِّب إلى العودة إلى نفسه من أجل تطويرها للحصول على إنجازات شخصية حقيقية في مجال الدراسة أو العمل، أهداف يفتقدها وفشل في الوصول إليها، بدلًا من الهروب والتعويض في متابعة إنجازات الآخرين؟