كفاءات العلوم الإنسانية والاجتماعية.. ثروة وطنية تستحق الاستثمار في خضم ما يتداول مؤخرًا حول إلغاء كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الملك سعود، وما رافقه من تباين في الآراء بين مؤيد ومعارض، يستوجب منا وقفة جادة للتبصّر. إن إلغاء هذه الكليات -وبشكل خاص تخصصات التاريخ والجغرافيا- كشف بوضوح عن حجم "العطالة" التي يواجهها المتخصصون في هذه التخصصات، في زمنٍ تتضاءل فيه فرصهم الوظيفية، تحت مبرر تراجع أولوية هذه التخصصات في عصر التحول الرقمي، رغم أن بطالة خريجيها قضية ممتدة منذ سنوات، لا يمكن اختزالها في تحولات حديثة. والواقع الذي يجب أن يُقال هو إن هؤلاء الخريجين يمتلكون ترسانة من المهارات النوعية التي اكتسبوها خلال مسيرتهم الدراسية، وهي مهارات تتجاوز "أسوار المدارس" لتصب في صلب احتياجات سوق العمل الحديث. فنحن نتحدث عن كوادر مؤهلة في الاستدامة البيئية، وإدارة الموارد، وفهم الأنظمة الاقتصادية، ناهيك عن التمكن من أدوات تقنية مرتبطة بالتحول الرقمي، مثل تحليل البيانات المكانية واستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS). علاوة على ذلك، يتمتع خريجو هذه التخصصات بمهارات المواطنة الفاعلة، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة؛ وهي جميعًا تمثل الركائز الأساسية التي يطلبها الاقتصاد المعرفي وتدعم مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030. إن القضية اليوم لا تكمن في إلغاء أو حجب هذه الكليات، فالجامعات السعودية لا تزال تُشرع أبوابها لهذه العلوم، التي ستظل الركيزة الأساسية لاستشراف الحاضر وفهم جذور الماضي في شتى المجالات. إنما التحدي الحقيقي يكمن إعادة تموضع هذه التخصصات داخل سوق العمل، ودمجها بفاعلية في منظومة التنمية الوطنية، بدلًا من ترك خريجيها خارج دائرة الاستثمار الوظيفي؛ وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو المنصف الذي سيستثمر كفاءات أولئك الخريجين؟