الثابت أن أغلب عواصم العالم لا تصلح للسياحة، ولا يجب السفر إليها إلا على سبيل الترانزيت، والاستثناءات بسيطة، ويمكن حصرها في باريس ولندن والرياض، وفي بوينس آيرس الأرجنتينية، وكوالالمبور الماليزية، وموسكو الروسية، ولو خرجت عواصم عن هذه القائمة ستكون قليلة جدًا ومحل نظر، هذا بافتراض وجودها من الأساس.. أرقام وزارة السياحة السعودية ومنصة سكاي سكانر أشارت إلى تحول في توجهات السعوديين المسافرين إلى الخارج، وبالأخص في الأعوام القليلة الماضية، فقد كانوا في 2019 يهتمون أكثر بالتسوق والترفيه العائلي وبنسبة 65 %، ولكن في 2024، وجد أن 68 % من بينهم، يختارون وجهاتهم بناءً على المحتوى الثقافي والتراثي، كالمتاحف والمعالم التاريخية والفنون، وخلال عامي 2024 و2025 ارتفع الطلب على اليونان وإيطاليا وأوزبكستان بنسبة 35 %، وتحديدا في مجال سياحة التراث والتاريخ، وعلى اليابان وكوريا الجنوبية، بنسبة 50 %، في سياحة الفنون والسينما، وفي 2025 سافر 44 % من السياح السعوديين إلى خارج المملكة لحضور مهرجان فني أو عرض سينمائي عالمي، وهؤلاء أنفسهم هم أكثر المواطنين إقبالا على زيارة المواقع التراثية السعودية، كالعلا والدرعية، وإنفاق السعوديين على المتاحف والمعارض والفعاليات الثقافية زاد ما بين عامي 2019 و2024 بنسبة 24 %، ولدرجة تخصيص الأشخاص لنحو 20 % من إجمالي الإنفاق السياحي عليها، ولاحظت غلوبل داتا لدراسات سلوك المستهلك، أن السائح السعودي تحول من متسوق إلى كائن ثقافي، وهو أمر جيد ومطلوب، ويكشف أن الأجيال الحالية تفكر بطريقة مختلفة. سوق السياحة الثقافية العالمي قدر في 2024 بنحو ست مئة مليار وأربعة ملايين دولار، والمتوقع أن يرتفع إلى سبع مئة وثمانية وسبعين مليار دولار في 2030، والسابق يمثل ما نسبته 40 % من إجمالي إيرادات السياحة العالمية بأنواعها، وحاولت الوقوف على الحصة السعودية من كعكة السياحة الثقافية، ولم أجد أرقاما محددة، ولكني تعرفت على توجهاتهم في السفر الثقافي خلال العام الجاري 2026، بحسب منصة اكسبيديا، التي ركزت بصورة أكبر على ثلاث وجهات، الأولى اليابان وخصوصا مدينة كيوتو، لحضور مراسم الشاي، والإقامة في فنادق الروكان الكلاسيكية، واستكشاف ثقافة الأنمي، والفنون الرقمية.. والثانية ايطاليا، ضمن ما يعرف بسياحة التذوق، والاستمتاع بفنون الطبخ الإيطالي، وزيارة المتاحف المعروفة، والمشاركة في ورش العمل الحرفية، وكل ما سبق موجود في إقليم توسكانا، وفي مدينتي فلورنسا وبولونيا.. والثالثة أوزبكستان، أو للدقة مدينتا سمرقند وبخارى، لاكتشاف العمارة الإسلامية المذهلة، والتعرف على تاريخ العلماء المسلمين، وشراء المنسوجات اليدوية كالسجاد. بعض من يقرأ قد لا يعرف أنهم في نيوزيلندا، على سبيل المثال، يقبلون الأنوف مثلما يفعل السعوديون، وأن نيجيريا تنتشر فيها ثقافة السلاطين، وكل إقليم أو مجموعة من القبائل لديها سلطان، واللافت هو قيام العسكر في نيجيريا بأداء التحية العسكرية لهم، رغم أنهم لا يحملون صفة رسمية توجب معاملتهم بهذه الطريقة، وبعض خبراء السفر من الخليج يعتقدون أن من لم يزر الكاريبي ودول أميركا الوسطى واللاتينية، فإن تجربة السفر لديه ناقصة، لأن هذه الدول تمثل انعكاسا ثقافيا لأوروبا والمنطقة العربية وإفريقيا، ولكن في جغرافيا مختلفة، والدليل تشبيه السياح الأجانب لعسير السعودية بالبيرو في أميركا اللاتينية، والأعجب أن الدول الشيوعية الاشتراكية قريبة في ثقافتها من الدول العربية، ويعود ذلك إلى أن مفهوم العائلة والقيم الأخلاقية حاضر لديهم بصورة أكبر من غيرهم، وأزيد انه من الظلم اختصار الوجهات السياحية في المقاهي والمولات والفنادق، لأنها متماثلة في كل مكان، ومن يترددون عليها لا يستفيدون شيئا، إلا إذا كانت لديهم مآرب موسى في عصاه. الثابت الآخر هو أن أغلب عواصم العالم لا تصلح للسياحة، ولا يجب السفر إليها إلا على سبيل الترانزيت، والاستثناءات بسيطة، ويمكن حصرها في باريس ولندن والرياض، وفي بوينس آيرس الأرجنتينية، وكوالالمبور الماليزية، وموسكو الروسية، ولو خرجت عواصم عن هذه القائمة، ستكون قليلة جدا ومحل نظر، هذا بافتراض وجودها من الأساس. مايكل براين، أستاذ علم نفس المختص بالسفر، قال في مقابلة مع شبكة سي إن إن، أجريت عام 2021: أن السفر يعزز من الثقة بالنفس، ومن احترام الذات والآخر، ويعتقد الكاتب الفرنسي المعروف جون دي لافونتين أن قصر النظر سببه عدم السفر، والروائي الأميركي إرنست همنغواي كتب معظم رواياته المشهورة خلال سفراته إلى فرنسا، ما يعني أنه يرفع من درجة الإبداع، وأكدت يو إس ترافل اسوسييشن، أن 89 % ممن يسافرون، تتراجع درجة التوتر عندهم من أول يوم سفر، وفي دراسة نشرتها جامعة تكساس عام 2023، لوحظ أن السفر يحسن الحالة المزاجية ويخفض من خطر الإصابة بالخرف، وبالتالي فهو ضروري لكل أحد. يجب أن ينظر السعوديون إلى السفر بعيون ابن بطوطة، ومعه ابن فضلان وأنيس منصور، وهؤلاء لهم سرديات جميلة في أدب الرحلات، تعطي السفر مشهدية رائعة، وتحوله إلى مخزون ثقافي مدهش، ومعها مقاطع فيديو إبراهيم سرحان، وسنابات عبدالعزيز السلامة، وكتابات خالد صديق، ورحلات إبراهيم المطيري ومحمد الميموني، وكلهم من أهل البلد، وهم يقدمون خبرات وتجارب جيدة تناسب رغبات وتطلعات السعوديين وتساعدهم في تحديد وجهات السفر التي تناسبهم، هذا إذا كانوا يبحثون عن سفر تثقيفي لا تسطيحي.