يتعرض كثير من الموظفين، خاصةً كبار السن، لسؤال يتكرر في المجالس وأماكن العمل واللقاءات الاجتماعية: "متى تتقاعد؟"، ورغم بساطة السؤال في ظاهره، إلاّ أن أثره النفسي لدى البعض يكون عميقاً ومؤلماً، إذ يفتح أبواباً للتفكير في العمر، والقدرة، والمكانة، والمرحلة القادمة من الحياة. يقول د. عبدالله السبيعي -استشاري نفسي-: إن هذا السؤال قد يبدو عادياً اجتماعياً، لكنه يحمل في طياته رسالة غير مباشرة مفادها أن مرحلة العطاء الوظيفي شارفت على نهايتها، وهو ما قد يثير لدى الموظف مشاعر القلق أو الحزن أو فقدان القيمة، خاصةً إذا لم يكن مستعداً نفسياً لمرحلة التقاعد بعد. وأكدت د. نورة العتيبي -أستاذة علم الاجتماع- على أن المجتمع بحاجة إلى إعادة صياغة نظرته للتقاعد، فالتقاعد ليس نهاية الدور الاجتماعي، بل بداية مرحلة جديدة من العطاء بشكل مختلف، سواء من خلال الأسرة أو العمل التطوعي أو نقل الخبرات للأجيال القادمة. وأوضح خالد الحربي -موظف متقاعد حديثاً- أنه كان يشعر بالانزعاج كلما سمع هذا السؤال قبل تقاعده، ليس لأنه يرفض التقاعد، بل لأنه كان يشعر وكأن الآخرين يستعجلون خروجه من المشهد الوظيفي، رغم أنه ما زال قادراً على العطاء والعمل بكفاءة عالية. ورأت نورة السلمي -موظفة اقتربت من التقاعد- أن السؤال يتكرر عليها بشكل مزعج أحياناً، خاصةً في بيئة العمل، حيث تشعر أن البعض يربط بين العمر وقلة الإنتاج، مؤكدةً على أن المشكلة ليست في التقاعد، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى من يقترب منه. وقال الدكتور فهد الزهراني -مختص في الصحة النفسية- إن التقاعد يمثل لدى كثير من الناس تهديداً لهويتهم المهنية والاجتماعية، إذ إن العمل يشكّل جزءاً أساسياً من تعريف الإنسان لنفسه، وعندما يُسأل عن موعد التقاعد، قد يشعر بأن هذا الجزء مهدد بالزوال، مما يؤدي إلى ردود فعل نفسية متفاوتة، تتراوح بين الضيق البسيط والقلق العميق. وأشار عبدالله الشهري -موظف حكومي على وشك التقاعد- إلى أن السؤال المتكرر جعله يعيد التفكير في مسيرته المهنية وفي ما بعد التقاعد أكثر مما كان يتوقع، مضيفاً أنه بدأ يشعر أحياناً وكأن المجتمع يهيئه نفسياً للخروج، رغم أنه لم يتخذ قراره النهائي بعد. وقالت أم ناصر القحطاني -معلمة متقاعدة-: إن السؤال لم يكن يزعجها كثيراً، بل كانت تعتبره فرصة للحديث عن خططها المستقبلية، خاصةً أنها كانت قد أعدّت نفسها نفسياً وعملياً لمرحلة ما بعد التقاعد. وأوضحت هناء القحطاني -باحثة اجتماعية- أن الاختلاف في ردود الفعل يعود إلى الفروق الفردية في الشخصية، والخلفية الثقافية، والتجارب السابقة، ومدى شعور الإنسان بالأمان المالي والاجتماعي، فالشخص الذي يشعر بالاستقرار والثقة في مستقبله يتعامل مع السؤال بهدوء، بينما قد يشعر الآخر بالتهديد أو القلق. وذكر محمد الدوسري -مدرب تنمية بشرية- أن المجتمع بحاجة إلى تعزيز ثقافة تقدير الخبرات، بحيث لا يُنظر إلى الموظف على أنه مرتبط بوظيفته فقط، بل بقيمته الإنسانية ومعرفته وتجربته. وأكدت سميرة الغامدي -موظفة سابقة في القطاع الإداري- أنها شعرت في البداية بحساسية تجاه هذا السؤال، لكنها مع مرور الوقت أدركت أن التقاعد ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر هدوءاً ومرونة. وأشار عبيد العتيبي إلى أنه لا يرى في هذا السؤال أي حرج، ويعتبره سؤالاً عادياً يجب على الشخص أن يتقبله بروح إيجابية، موضحاً أنه تقاعد منذ عشرة أعوام ويمارس حياته بشكل طبيعي دون أن يشعر بأن التقاعد أنهى دوره أو قيمته في المجتمع. وفي النهاية، يظل سؤال متى تتقاعد بسيطاً في لفظه، لكنه عميق في أثره، ويعكس حاجة المجتمع إلى إعادة النظر في نظرته للعمر والعمل والقيمة الإنسانية، فالتقاعد ليس نهاية الإنسان، بل بداية فصل جديد من حياته، يستحق الاحترام والتقدير والدعم، تماماً كما استحقت سنوات عمله السابقة الاحترام والعرفان.