«عضو في مجلس الشورى».. كوّنت تجربة كشفت وعياً تاماً بالشأن العام رحيل يتجاوز حدود الخبر لا يقرأ كل رحيل بوصفه نهاية، فثمة رجال حين يغيبون يتركون وراءهم من المعنى ما يجعل حضورهم ممتدا في الزمن، كأن العمر لا يقاس بعدد السنوات التي عبرت، بل بما ترسب خلالها في الوعي من أثر، وما استقر في ذاكرة المؤسسات من بصمة، وما بقي في النفوس من صورة لا يطويها الغياب. هكذا يبدو رحيل معالي الأستاذ الدكتور رضا محمد سعيد عبيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة اليمامة الصحفية السابق، حدثا يتجاوز حدود الخبر، ليتحول إلى لحظة تأمل في سيرة رجل عبر بين العلم والإدارة والإعلام والثقافة من غير ضجيج، تاركا وراءه حضورا يليق بسيرة اتسعت للمعرفة والخلق والأثر. وقد أعلن يوم الخميس 2 أبريل 2026 خبر وفاته، وصلي عليه في المسجد النبوي بعد صلاة المغرب، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينةالمنورة. ولد الراحل في المدينةالمنورة عام 1355ه الموافق 1936م، ومنذ بداياته المبكرة اتجه إلى المعرفة بوصفها طريقا إلى البناء، لا مجرد تحصيل علمي يضاف إلى السجل الشخصي. نال بكالوريوس العلوم في الكيمياء والفيزياء من جامعة القاهرة عام 1958م، ثم حصل على الدكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من جامعة برمنغهام عام 1962م، قبل أن يعود إلى وطنه في زمن كانت فيه المملكة تشق طريقها نحو ترسيخ مؤسسات التعليم والبحث العلمي، حاملة وعيا مبكرا بأن النهضة تبدأ من العقل، وأن الأوطان تبنى بما تملكه من كفاءات تعرف كيف تحول العلم إلى فعل، والمعرفة إلى طاقة تصنع الفرق في حياة الناس ومؤسساتهم. "رئاسة مجلس إدارة مؤسسة اليمامة".. كانت ساحة للمعرفة والثقافة العلم بوصفه مشروعاً للنهضة في جامعة الملك سعود، لم يكن الدكتور رضا عبيد مجرد أكاديمي يؤدي دوره داخل قاعة الدرس، بل بدا واحدا من أبناء جيل فهم الجامعة بوصفها مشروعا وطنيا يتجاوز حدود التعليم إلى بناء الإنسان والمؤسسة معا. عمل معيدا، ثم أستاذا للكيمياء الفيزيائية، ووكيلا لعميد كلية العلوم، قبل أن يصبح أول سعودي يتولى عمادة كلية العلوم خلال الفترة من 1963م إلى 1971م، في موقع عكس مكانته العلمية، كما عكس الثقة في قدرته على الجمع بين التخصص الدقيق والرؤية الإدارية. ولأن السيرة لا تستمد معناها من المناصب وحدها، بل من طبيعة اللحظة التي تعبرها، فقد جاءت هذه التجربة في زمن كانت فيه الجامعات السعودية تصوغ ملامحها الأولى، وتؤسس تقاليدها العلمية والإدارية، وتحتاج إلى رجال يملكون من الوعي ما يجعلهم جزءا من التأسيس لا مجرد شهود عليه. ومن هنا بدا رضا عبيد واحدا من أولئك الذين لم يمروا في المؤسسة مرورا عابرا، بل أسهموا في تثبيت معناها، ومنحها شيئا من رسوخ البدايات. وكان حضوره في هذا السياق دليلا على شخصية تدرك أن العمل الأكاديمي لا يقف عند حدود التخصص، بل يمتد إلى صناعة البيئة التي ينمو فيها العلم ويترسخ أثره. ثم اتسعت تجربته إلى أفق وطني أرحب حين تولى رئاسة المركز الوطني للعلوم والتقنية بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بين عامي "1977م و1984م"، في مرحلة كان فيها البحث العلمي يتشكل بوصفه أحد أعمدة المشروع التنموي الحديث. ولم يكن ذلك امتدادا وظيفيا فحسب، بل تعبيرا عن شخصية رأت في العلم مسؤولية تتصل بمستقبل المجتمع، وفي المعرفة قوة ينبغي أن تجد طريقها إلى المؤسسة والدولة والناس. وفي مثل هذه المواقع تتجلى قيمة الرجال الذين يدركون أن بناء البحث العلمي ليس قرارا عابرا، بل مسارا طويلا يحتاج إلى صبر وبصيرة وإيمان عميق بقيمة المعرفة في صناعة التحول. ومن هذا الامتداد، انتقل إلى إدارة جامعة الملك عبدالعزيز من "1984م إلى 1994م"، وهي مرحلة ارتبطت بحضور أكاديمي وإداري راسخ، أسهم في تعزيز مكانة الجامعة وتوسيع بنيتها العلمية والتنظيمية. وفي مثل هذه المواقع لا يقاس الأثر بسنوات الخدمة وحدها، بل بما يرسخه صاحبها من وعي بالمؤسسة، وبما يضيفه إلى روحها من اتزان وبصيرة. ولهذا يبدو حضوره الجامعي جزءا من سيرة رجل لم ير في الإدارة سلطة، بل مسؤولية، ولم ير في الموقع مكانة شخصية، بل بابا لخدمة مشروع أكبر. فالمؤسسات الكبرى لا يحفظ توازنها إلا رجال يفهمون أن النجاح الحقيقي لا يعلن عن نفسه بالصوت العالي، بل يترك علاماته الهادئة في البناء المتين والاستمرار الواثق. كما اختير عضوا في مجلس الشورى من "1994م إلى 1998م"، في انتقال يكشف عن شخصية لم تحصر العلم في أسوار الجامعة، بل رأت فيه وعيا يمكن أن يمتد إلى الشأن العام، وأن يسهم في صياغة رؤية أوسع تتصل بالمجتمع والدولة والإنسان. وهذا الامتداد يكشف عن سعة في التجربة، وعن عقل لم يكن ينظر إلى المعرفة بوصفها ميدانا منعزلا، بل بوصفها طاقة قادرة على ملامسة القضايا العامة، وعلى الإسهام في بناء تصور أوسع لدور الإنسان المتعلم في خدمة وطنه. حين يلتقي العلم بالكلمة غير أن ما يمنح هذه السيرة بعدها الأكثر خصوصية هو أنها لم تقف عند المجالين العلمي والأكاديمي، بل امتدت كذلك إلى الإعلام والثقافة، في دلالة واضحة على شخصية آمنت بأن المعرفة لا تعيش في جزيرة منفصلة، بل تتغذى من تواصل الحقول وتلاقيها. فقد تولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة اليمامة الصحفية، في حضور يؤكد أن صلته لم تكن بالعلم وحده، بل بالكلمة أيضا، وبالدور الذي تؤديه الصحافة في تشكيل الوعي العام، وفي حفظ الصلة بين المجتمع وأسئلته وتحولاته. وفي امتداد هذا الحضور المؤسسي والإعلامي، مثل الدكتور رضا محمد سعيد عبيد مؤسسة اليمامة الصحفية بصفته رئيس مجلس إدارتها عند توقيع مذكرة تفاهم مع جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي، وذلك في "9 مايو 2010"، ضمن "20" اتفاقية تعاون وقعها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، خلال فترة توليه إمارة منطقة الرياض آنذاك، في مشهد يعكس حضوره في المساحات التي تلتقي فيها الكلمة بالمسؤولية، والإعلام بالشأن الإنساني. وهذا العبور من الجامعة إلى المؤسسة الصحفية لا يبدو انتقالا بعيدا، بل امتدادا منطقيا لرجل أدرك أن للمعرفة وجوها متعددة، وأن الكلمة الواعية يمكن أن تكون شريكة للعلم في بناء المجتمع وصيانة حسه العام. كما ارتبط الراحل باثنينية عبدالمقصود خوجة، فأدار جلساتها لسنوات، وشارك في لجنة اختيار المكرمين فيها، وهو حضور يكشف عن صلته الوثيقة بالمشهد الثقافي السعودي، وعن إيمانه بقيمة الاحتفاء بالرموز الفكرية والأدبية والعلمية. ولم يكن هذا الجانب هامشا في سيرته، بل جزءا من معناها، إذ يشي بأن الرجل، على امتداد تجربته، ظل قريبا من فضاءات الفكر والحوار، ومؤمنا بأن الثقافة ليست ترفا، بل واحدة من صور الارتقاء بالمجتمع وصيانة ذاكرته. فالثقافة، في هذا المعنى، ليست نشاطا موازيا للحياة، بل جوهر من جواهرها، ومجالا تحفظ فيه الأمم أصواتها وتجاربها وأسماء من أسهموا في تشكيل وعيها. وحضر كذلك في عدد من المجالس والهيئات العلمية والتعليمية، فكان عضوا في المجالس العليا لعدد من الجامعات السعودية، إلى جانب مشاركته في لجان ومجالس مرتبطة بسياسات التعليم والبحث العلمي. وهو حضور لا يقاس بكثرة المواقع، بقدر ما يقاس بثقة المؤسسات فيه، وبقدرته على أن يكون صوتا للعقل والخبرة والاتزان في المساحات التي تحتاج إلى البصيرة أكثر مما تحتاج إلى الظهور. وكثيرا ما تبقى قيمة بعض الرجال في هذا النوع من الحضور الهادئ، الذي لا يطلب الضوء لنفسه، لكنه يتركه في الأماكن التي مر بها. ما يبقى من السيرة ولعل ما يضيء هذه السيرة أكثر هو بعدها الإنساني والمهني معا. فقد كتب عنه بوصفه أستاذا ومعلما وصاحب خلق رفيع، وحضورا هادئا، وبصمة لا تنسى، فيما وصفته كلمات الرثاء بأنه أكاديمي قيادي وعالم ريادي. وهذه ليست أوصافا ترد في سياق الوداع فحسب، بل مفاتيح لقراءة الطريقة التي عاش بها الرجل مناصبه ومسؤولياته. فبعض الشخصيات لا تترك أثرها بما تقوله عن نفسها، بل بما يراه الناس فيها من اتزان ونبل ووفاء، وبما تبثه في محيطها من طمأنينة وثقة ومعنى. إن بعض الأسماء تبقى لا لأنها شغلت مناصب كثيرة، بل لأنها منحت تلك المناصب معناها، وجعلت من العمل امتدادا للأخلاق، ومن المسؤولية صورة من صور الوفاء. وهكذا يبدو رحيل الدكتور رضا محمد سعيد عبيد تذكيرا بجيل آمن بأن النهضة لا تبنى بالضجيج، بل بالصبر والمعرفة والإخلاص الطويل. لذلك يبقى أثره في ما أنجزه، وفي الطريقة التي عاش بها ذلك الإنجاز: بهدوء العالم، واتزان الإداري، وإيمان المثقف بأن ما يزرع في الوعي أبقى مما يدون في السجلات. فالسير الكبيرة لا تنتهي عند حدود الرحيل، لأنها تظل قادرة على تذكير الأجيال بأن المعرفة حين تقترن بالخلق، والمسؤولية حين تحمل بصدق، تصنعان للإنسان مكانة لا يغيب معها، بل يبقى حاضرا في ذاكرة وطنه، وفي المعنى الذي تركه وراءه. ولهذا لا يمر اسم مثل رضا عبيد في سياق الرثاء وحده، بل في سياق التقدير أيضا، بوصفه واحدا من أولئك الذين عبروا حياتهم في هدوء، لكنهم تركوا في الزمن ما يكفي ليبقوا. رضا عبيد -رحمه الله- أثناء اجتماع الجمعية العمومية لمؤسسة اليمامة الصحفية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- عندما كان أميراً للرياض عام 2010 عقب توقيع الاتفاقية مع رئيس مجلس إدارة اليمامة الصحفية الراحل متجولاً في مؤسسة اليمامة برفقة المدير العام للمؤسسة الأستاذ خالد العريفي الراحل الأستاذ تركي عبدالله السديري يحاور د. رضا عبيد عن المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا «1980»