ما إن تهبّ رياح الانتقاد على أداء المنتخب السعودي، حتى تتحول وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج الرياضية إلى شيء أقرب إلى قاعة المزادات، وهذا الأسبوع لم يكن استثناءً؛ فقد سمعنا أسماء تتطاير في كل اتجاه: سعد الشهري، صالح المحمدي، خالد العطوي، شاموسكا، جيسوس، إنزاجي، دونيس، يايسله، بيدرو إيمانويل. قائمة تبدو كبرقيات موسم انتقالات لا تنتهي، لا كنقاش جاد حول مستقبل المنتخب الوطني. المسألة لا تتعلق بأسماء المرشحين في حد ذاتها. فكل اسم من هؤلاء يحمل مؤهلاته ومزاياه. المسألة هي أن الحوار خرج تماماً من إطار السؤال الحقيقي: ماذا نريد من منتخبنا؟ وإلى أين نسير؟ وبأي خريطة طريق؟ حين تغيب الإجابات عن هذه الأسئلة، يملأ الفراغ هذا النوع من المزادات، وأن تتحدث عن اسم المدرب قبل أن تحسم هوية المنتخب وفلسفته، هو كأن تختار لوناً للجدران قبل أن تُكمل تشييد البيت. الاتحاد السعودي لكرة القدم يتحمل قدراً كبيراً من هذه المسؤولية. فالتخبّط الفني الذي رافق المنتخب لم يقف عند حدود ملعب الكرة، بل تجاوزه إلى طريقة التواصل مع الرأي العام، حين تغيب الرسائل الواضحة والموقف المؤسسي الصريح، تتحول الفجوة الإعلامية إلى بيئة خصبة لكل اسم ولكل شائعة. وقد رأينا ذلك اليوم بوضوح. الغريب أن الحالة السعودية ليست وليدة هذا الأسبوع، ولكنها نمط متكرر منذ سنوات.. أداء متعثر، ثم ضجيج إعلامي، ثم تغيير أو تجديد، ثم هدوء مؤقت، ثم إعادة للدورة من جديد، وفي كل مرة تعاد فيها الدورة، يخسر المنتخب شيئاً من هيبته في عيون الجمهور، وربما في عيون المدربين أنفسهم. ما يحتاجه الاتحاد ليس فقط مدرباً جديداً، أو وجهاً مختلفاً، ولكنه يحتاج إلى إجابة صادقة على سؤال يتجنبه منذ طويل: هل لدينا رؤية فعلية لكرة القدم التي نريد تقديمها؟ وهل قرارات التدريب تنبثق من تلك الرؤية، أم من ردود الأفعال؟ الاتحادات الكبرى لا تختار مدرباً استجابةً للضغط، بل تختاره تعبيراً عن مشروع، والفرق بين الحالتين ليس تفصيلاً إدارياً؛ بل الفارق بين أن تبني، وأن تُرقّع. المدرب الوطني أو الأجنبي، الخبير أو الصاعد.. هذه نقاشات مشروعة ومهمة، لكنها لا تعني شيئاً إن لم تسبقها حوكمة واضحة، وتوقعات محددة، وتعاقد حقيقي مع المشروع وحتى تلك اللحظة، سيظل كرسي المنتخب السعودي ساخناً؛ لا لأن الكرة السعودية صعبة، بل لأن القرار لا يزال يُصنع في فوضى. الجمهور يستحق أكثر من مزاد، ويستحق أكثر من تجارب متواصلة على حسابه، واتحاد القدم. فالقضية ليست رينارد وحده، بل منظومة تفتقر إلى رؤية، وتتبرع بهيبة المنتخب في كل مناسبة.