حين تنطق الكلمة، فإنها لا تكتفي بأن تُقال بل تمتد لتصبح جسرًا خفيًا بين الذاكرة والتراث، تعبر عليه الحكايات من زمن إلى آخر دون أن تفقد ملامحها الأولى. هكذا يراها الشاعر سليمان المانع، بوصفها أثرًا يحفظ ما يتبدد، ويعيد صياغة المعنى حين يوشك أن يُنسى، لتبقى شاهدة على علاقة الإنسان بمكانه وتاريخه. وفي حديثه ل"الرياض" على هامش مهرجان الفنون التقليدية، يضع المانع الشعر النبطي في قلب هذا الامتداد، بوصفه أحد أهم أوعية الهوية الثقافية، حيث لا يُقرأ باعتباره نصًا فحسب، بل يُعاش كذاكرة جمعية تختزن تفاصيل الحياة اليومية وصوت البيئة، وإيقاع المجتمع. ويرى أن هذا الشعر، مهما خضع لمحاولات التطوير، يجب أن يظل محتفظًا بروحه الأصيلة، لأنها تمثل عمره وتاريخه، وتحفظ صوته الأول الذي نشأ منه. ويؤكد أن التحديث لا يعني الانفصال عن الجذور، بل القدرة على إعادة تقديمها بلغة تواكب الزمن دون أن تفقد صدقها، مشددًا على أن الحفاظ على روح الشعر النبطي هو ما يمنحه استمراريته، ويجعله قادرًا على مخاطبة الأجيال الجديدة دون أن يتخلى عن هويته. وعن مهرجان الفنون التقليدية الذي تنظمه وزارة الثقافة، يقول المانع في حديثه ل«الرياض» إنه يتجاوز كونه فعالية احتفالية، ليصبح مساحة حية تُستعاد فيها الذاكرة، وتُعرض فيها الفنون بوصفها جزء من الحاضر لا بقايا من الماضي. ويشير إلى أن المهرجان ينجح في تقديم التراث بصيغ متعددة، تتيح للزائر أن يراه ويسمعه ويقترب منه، في تجربة تعيد تشكيل العلاقة بين الجمهور والموروث. ويضيف أن مثل هذه المبادرات تسهم في تعزيز حضور الفنون التقليدية داخل المشهد الثقافي المعاصر، وتمنحها فرصة للاستمرار والتجدد، دون أن تفقد أصالتها، كما تفتح المجال أمام الممارسين والحرفيين والشعراء ليكونوا جزءًا من هذا الحراك، لا مجرد رواة لذاكرة بعيدة. وفي ظل هذا الحضور المتنامي للفنون التقليدية، يؤكد المانع أن المسؤولية لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تمتد إلى المبدعين أنفسهم، الذين يحملون على عاتقهم مهمة الحفاظ على جوهر هذه الفنون، وإيصالها بصورتها الحقيقية إلى الأجيال القادمة. وهكذا، لا تعود الكلمة مجرد وسيلة تعبير، بل ذاكرة تُصان، وجسرٌ يعبر عليه التراث نحو المستقبل. وبين الأصالة والتجدد، يبقى الشعر النبطي شاهدًا حيًا على عمر المكان وتاريخه، وصوتًا لا ينطفئ مهما تغيرت الأزمنة.