لا يكاد يختلف اثنان حول النقلة النوعية التي أحدثتها الدراما السعودية أخيرًا، سواء على مستوى الإنتاج أو التنوّع أو الجرأة في مقاربة القضايا الاجتماعية التي ظلّت طويلًا حبيسة الهامش. غير أنّ هذه النقلة -على أهميتها- لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تطورًا تقنيًا أو فنيًا فحسب، بل بوصفها تحوّلًا في طبيعة الخطاب الدرامي ذاته. إذ لم تعد الدراما في زمن الإعلام الكثيف مجرد حكاية تُروى على الشاشة، ولا مجرد تسلية تُقضى بها ساعات المساء؛ بل أصبحت أحد أهم الحقول التي يُعاد فيها تشكيل الواقع نفسه. فالعمل الدرامي -وإن انطلق من المخيال- فإنّه لا يتشكّل في فراغ، وإنّما يولد داخل سياق اجتماعي وثقافي، ويتغذّى من أسئلة الوجود والمجتمع وسرديّته، ثم يعود ليؤثر في وعيه وتصوراته. ومن هنا يُصبح الحديث عن الدراما السعودية حديثًا عن خطابٍ يصوغ الواقع بقدر ما يستلهمه. ويُشكّل السردية بقدر ما يُقدّمها. منذ القرن التاسع عشر ترسخت في الوعي الإنساني فكرةٌ بنيويةٌ شائعة مفادها أن الفن يُمكن أن يكون قائمًا بذاته، منفصلًا عن العالم، وهو ما عُرف بمقولة «الفن من أجل الفن». غير أنّ التجربة الثقافية الحديثة في ضوء المآلات ما بعد الحداثية وخصوصًا في مجال الإعلام والفن أظهرت أنّ هذه المقولة لا تصمد طويلًا أمام طبيعة الخطاب الفني نفسه. فالعمل الدرامي لا يظلّ في حدود الجماليات الشكلية أو الحكايات المتخيّلة، بل يتجاوزها إلى مستوى صناعة المعنى الاجتماعي عبر الإسقاط والتأويل والوعي الجمعي. فالدراما حين تُقدِّم شخصية ما، أو ترسم صورة لأسرة، أو تصوغ صراعًا بين قيم متباينة، فإنها لا تعرض مجرد أحداث متخيّلة، بل تضع أمام المشاهد أُنموذجًا تأويليًا لسردية واقعية؛ إذ المُشاهِد لا يخرج من إطار العمل الدرامي مُحمَّلاً بذكرى قصة فحسب، بل يخرج وهو يحمل تصورًا مُمكنًا عن المجتمع. ولهذا فإن الدراما السعودية في سياق التحوّلات الاجتماعية والثقافية أصبحت مساحة رمزية يتقاطع فيها الواقع بالمخيال الدرامي الذي لا يولد من العدم، وإنّما يتشكّل من طبقة الفهم السردية والرمزية التي تُعاد فيها صياغة واقع جديد. فليس رهان المعنى هنا على قصد الكاتب بقدر ما يكون رهانًا على المعنى الذي يفهمه المتلقي. لكن الأمر لا يقف عند حدود تمثيل الواقع فحسب، إذ الأدهى أنّ الخطاب الدرامي -كما تُشير دراسات تحليل الخطاب- لا يكتفي بتمثيل واقعنا، وإنّما يُعيد إنتاجه. فحين تتكرّر أنماط معينة من الشخصيات أو القيم أو السرديات داخل الأعمال الدرامية، فإنها تتحوّل تدريجيًا إلى مرجعيات ذهنية ضمنيّة لدى الجمهور الذي ينسج علاقة بين ما يراه على الشاشة وبين الواقع الممكن. ذاك أنّ العمل الدرامي في اللاوعي ليس خطابًا مُحايدًا، بل هو خطاب قادر على ترسيخ قيم المجتمع وعاداته وتقاليده أو إضعافها. وبظني فحتى ما يُسمّى نقديًّا ب «جمال القُبح» -إذا ما نظرنا إلى الخطاب من زاوية فنية صِرف- فهو لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرّر لاختراق الذائقة الجمعية. فالفن قد يلجأ أحيانًا إلى تصوير القبح بوصفه أداة جمالية لكشف التناقضات الإنسانية أو إبراز المأساة الكامنة في التجربة البشرية، غير أنّ هذا التوظيف الجمالي لا يعني بالضرورة أن يتحوّل القبح ذاته إلى سرديّة، ذاك أن الذائقة العامة ليست مجرد ميل عابر، بل إنّها حصيلةٌ تراكميّةٌ ممتدّة من القيم والتجارب الثقافية. ومن هنا فإنّ العمل الفني حين يتجاوز هذا الأفق القيمي بصورة فجّة، فإنه لا يُوسّع مدارك المتلقي بقدر ما تلفظه الذائقة العامة أو تتقيأه الحساسية الاجتماعية. فالفن الخلَّاق لا يكتفي بإظهار القبح، بل يُعيد تشكيله وصناعته، بحيث يبقى الجمال -حتى في حضوره النقدي- مُنسجمًا مع الذائقة الجمعيّة. وبالطبع فأنا لا أقصد من ذلك كلّه أن تتحوّل الدراما إلى خطاب وعظي، ولا أن تُختزل في تقديم صورة مثالية تخلو من الصراعات. فالصراع الدرامي جزء من طبيعة الفن نفسه. لكنّ الفارق يكمن في المنظور الذي يُدار منه هذا الصراع، وحول ما ينبغي أن يظهر منه وما لا يظهر. لذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الدراما تعكس الواقع أم لا؟ بل إنّ السؤال الأعمق هو: أيُّ واقعٍ ستصنعه الدراما فينا؟ وهكذا يتبدّد الوهم القديم القائل: إنّ الفن يُمكن أن يكون معزولًا عن الواقع. بل وكذلك مقولة أنّ الفنّ يُمثّل الواقع. ولعلّ هذا ما يُفسر الحساسية الكبيرة التي تُرافق أحيانًا النقاش حول الدراما السعودية، فالمسألة لا تتعلّق بمدى تمثيلها للواقع من عدمه، بل بما ستصنعه أعمالها من حقيقة جديدة في مجتمعنا. ختامًا فإنّ فنًّا ينفصل عن ذائقة المجتمع لا يكتسب شجاعةً جمالية بقدر ما يفقد شرطه الثقافي الذي يمنحه حق المعنى والقبول. د. عبدالرؤوف الخوفي