في الأمن الإعلامي، لا تُقاس خطورة المحتوى بما يثيره من ضجة لحظية، بل بما يخلِّفه من أثر تراكمي في وعي الجمهور وسلوكياته وثقته بمؤسسات المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن استضافة قناةٍ ما في وقت سابق «ساحرًا محترفًا» -عُرف بإيذاء الناس والتباهي بالقيام بما حرّمه الله، وممارسة ما يفتك بالعقول والبيوت- ليست مجرد «حلقة مثيرة» أو «مادة ترفيهية»، بل حادثة ذات بُعد إعلامي بالغ الحساسية؛ لأن الخطاب التلفزيوني حين يمنح المنحرف مساحةً محترمة، وإضاءةً مهنية، وإطارًا قصصيًا جذَّابًا، فإنه يصنع -بقصد أو بغير قصد- تسويقاً مجانياً للباطل، ويعيد تشكيل صورة الجريمة بوصفها «نجاحاً» أو «مهارة» أو «قدرة خاصة». والأخطر أن هذا النوع من المحتوى يرسل للمشاهد رسالتين مدمّرتين: الأولى أن الخرافة قابلة للتطبيع، والثانية أن المعتدي يمكن أن يصبح «ضيفًا» بدل أن يكون «محاسَباً». ومع تكرار هذا النمط، تُفتح شهية بعض المتلقين -خصوصًا صغار السن أو ضعيفي الوعي الديني والنفسي- لتجريب السحر والدجل، أو اللجوء إلى المشعوذين عند الأزمات، بما يفاقم الابتزاز المالي، والتفكك الأسري، واضطرابات الصحة النفسية، ويؤسس لسوقٍ مظلمة قائمة على الخوف والوهم. والغريب أن ذات القناة سقطت مرة أخرى -وفق منطق الأمن الإعلامي- حين تتناول موضوع «الأنساب ودهاليزها» بصيغة استعراضية، أو بنبرة تلميحية، أو عبر فتح المجال للشائعات والقصص غير المنضبطة. الأنساب ليست مادة «إثارة اجتماعية»، بل شأنٌ بالغ الحساسية يرتبط بالهوية والانتماء والحقوق المعنوية، ويتقاطع مع السلم الاجتماعي. ومقاربة هذا الملف دون ضوابط علمية وأخلاقية تضع المجتمع أمام مخاطر متسلسلة: إذ تُحفّز العصبيات المناطقية والقبلية، ويُعاد إنتاج التصنيفات الإقصائية، ويُمنح المتطرفون الاجتماعيون مادة لإشعال النزاعات الناعمة داخل بيئات العمل والجامعات ووسائل التواصل. والأسوأ أن بعض الطروحات تُغذي «ثقافة التشكيك» في الناس، وتحوّل صلة الرحم والتعايش الوطني إلى مساحات امتحان واتهام وهمسٍ وتحقير. إن خطورة الموضوعين -السحر والأنساب- على المتلقي تنبع من نقاط مشتركة: كلاهما يستثمر في الغموض، ويستدرّ الانفعال، ويحرّك الهويات العميقة، ويُنتج قابلية للاستقطاب. فإذا أضيف إلى ذلك الإخراج الجذاب، والعناوين المثيرة، وغياب التحقق العلمي، فإن الإعلام يتحول من منصة وعي إلى منصة هشاشة. فالقنوات التي تُغامر بهذه الملفات دون ميثاق واضح للسلامة الإعلامية لا تُخطئ مهنياً فقط؛ بل تُخاطر برصيدها الوطني والأخلاقي. الإثارة الرخيصة قد ترفع المشاهدة يوماً، لكنها تُضعف المجتمع سنوات. والحل -بطبيعة الحال- ليس «منع النقاش»، بل نقاشٌ مسؤول: خبراء مختصون، توثيق صارم، لغة جامعة، وتحويل المحتوى من تفكيك اللحمة إلى تعزيزها.