لم تكن الصواريخ والطائرات المسيرة وحدها ما تحرّك هذا الأسبوع في المنطقة، ثمة ما هو أشد خفاءً وأعمق أثراً انطلق معها: موجة متدفقة من الفيديوهات والصور اجتاحت فضاء التواصل الاجتماعي، تدّعي توثيق اعتداءات طالت مناطق في المملكة، وتحمل من الدراما البصرية ما يجعل المتلقي عاجزاً عن الشك فيها لحظتها، كانت مشاهد مصنوعة لتُقنع، لا لتُوثّق. أظهر التحقق لاحقاً أنها ركام مُعاد من أرشيف الأزمات الماضية: فيديو من 2022 سُلخ من سياقه وأُلبس ثوب الراهن، وصور حرائق قديمة خارج حدود الوطن قُدِّمت على أنها قصف حديث، وأخرى مولّدة بالذكاء الاصطناعي تناقلَتها مئات الحسابات في دقائق. لم يكن ذلك فوضى، بل كان حرباً. عمليات المعلومات ليست وليدة هذا العصر، غير أن ما كان يستلزم في الماضي إمكانات دول أصبح اليوم في متناول أي جهة تملك هاتفاً وإرادة، المنصات الرقمية أزاحت الحاجز بين صناعة الكذبة وانتشارها، فبات المقطع المفبرك يسبق البيان الرسمي، والرواية الملفّقة تترسّخ في العقول قبل أن تتاح الفرصة لدحضها. والأخطر أن تطبيقات المراسلة الخاصة كالواتساب تُكمل ما بدأته وسائل التواصل الاجتماعي، المحتوى الذي يصلك من قريب أو زميل أو صديق يحمل ثقلاً اجتماعياً ضمنياً يجعل الشك فيه أصعب، الكذبة التي تصلك من غريب قد تتوقف عندها، أما حين تصلك ممن تثق به فإنها تتسلل إلى التصديق دون أن تستأذن. وثمة وجه آخر للخطر لا يقل أثراً: حين يُخرج المواطن هاتفه ليوثّق اعتراض الطائرات المسيرة أو المواقع الحيوية والأمنية، تصويرها أو نشرها أو إعادة تداولها، حتى من باب التطمين، يُحوّل المواطن دون قصد إلى مصدر استخباراتي مفتوح، ما يبدو لقطة عادية قد يكون في غرفة عمليات بعيدة معلومةً تُكمل صورة كان العدو يبحث عنها. سواء أعاد المواطن نشر فيديو مفبرك، أم وثّق حادثة حقيقية ونشرها، النتيجة واحدة: الهاتف يُوظَّف ضده دون أن يشعر. المطلوب ليس الصمت المطبق، بل وعي بسيط: عدم الانجرار وراء الشائعات أو الفيديوهات المعدّلة أو المجتزأة أو الخارجة عن سياقها الزمني. فالمحتوى الذي يصلك في لحظات التوتر لا يعني بالضرورة أنه صحيح بل كثيراً ما يكون مُصمَّماً ليصلك في تلك اللحظة تحديداً. التثبّت من المصدر قبل المشاركة ليس تشككاً في النوايا، بل هو أبسط أشكال المسؤولية الوطنية في زمن الحرب المعلوماتية. ختاماً، الجندي المجهول الحقيقي هو من يتوقف قبل أن يُعيد نشر مقطع لم يتثبّت منه، ومن يُعيد هاتفه إلى جيبه حين يرى صاروخاً يُعتَرض فوق مدينته. قراران صغيران في الظاهر، عظيمان في الأثر.