بعد التفضيل من اللّه على عباده بإحلال ما كان حراماً في حق النساء من الرفث إليهن لحاجة كل منهما للآخر كحاجته إلى اللباس، قال تعالى كاشفاً لهم ما كانوا خفون: (عَلِمَ الله أنكمْ كنتمْ تَخْتانُونَ أنفسَكُمْ فَتَابَ عليكمْ وَعَفَا عنكمْ فالآنَ باشروهُنَّ وابْتَغُوا ما كتب اللّه لكم) 4 [البقرة: 187]، لقد كانوا يختانون: يرتكبون الخيانة في التشريع، فيتجاوزون ما مُنعوا منه. وبيَّن تعالى أن التقصير في الأوامر أو مجاوزة النواهي إنما هي خيانة من صاحبها لنفسه لا لغيره، وأن المعاصي خيانة لأنه ينتقص من حظ نفسه في الآخرة. والله تعالى عاملهم بلطفه ورحمته فتاب عليهم وعفا عنهم، تاب عليهم مما مضى وعفا عنهم فيما يأتي فأذن لهم بالمباشرة التي كانت ممنوعة (فالآن باشروهن)، وهي أيضًا من الكنايات الرفيعة في سمو التعبير عن إتيان الزوجة، وقوله: (فالآن) مشعر بأنَّ ما قيل الآن لم يكن مأذوناً لهم، وهو أمر إباحة لا أمر إيجاب، أي حق لكم أن تباشروهن ودون خيانة لأنفسكم. ولكن في غضون هذه الإباحة وفي ظلال هذا العطاء الذي تطلعوا إليه وأحب ما يكون إلى نفوسهم نجد حكمة التشريع في انتهاز توجه النفوس للتلقي بالقبول، فيقدم مع إباحة المباشرة توجيها سامياً للغرض من هذه المباشرة، وهو ليس مجرد إشباع الغريزة ولا إطفاء الدوافع الذاتية لأنَّ هذا فقط قد يوجد في كل زوجين ممن خلق اللّه. ولكن للإنسان رسالة أسمى ومنهجاً أقوم فيقول له المولى باشر واتبع من وراء هذه المباشرة ما كتب اللّه لا ما تبتغيه رغباتك أنت: (فالآن باشروهُنَّ وابتغُوا ما كتبَ اللّه لكمْ). المصادر: كتاب رمضانيات من الكتاب والسنة* تأليف فضيلة الشيخ عطية محمد سالم* دار النشر: مكتبة التراث – المدينة المنورة