الحمد لله الحي الدائم الذي لا يموت، يرث الأرض ومن عليها، والصلاة والسلام على خير من مات من خلق الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. انتقل إلى رحمة الله أخي الأكبر صالح، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، ولقد كان -رحمه الله- بمثابة والدي بعد وفاة والدي، وأنا لم أتجاوز الثالثة من العمر، ولذا قلت في إهدائي لرسالة الدكتوراة "إلى أبي من بعد أبي، إلى من عوضني بعطفه وحنانه، حنان الأبوة الذي فقدته مبكراً" وكان المقصود هو أبا عبدالله، فهو من تولى رعايتنا بعد وفاة الوالد -رحمهم الله أجمعين- المبكرة، وكنت في سنوات عمري الأولى لا أرى لي من والد إلا هو، وكان من العادات في ذلك الزمن سؤال الطفل عن أمور دينه، على سبيل الملاطفة والتعليم، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقد أخبرت بإجاباتي، فكانت ربي الله وديني الإسلام ونبيي صالح! ومن ثم يعترض السائل على الإجابة فيقول لا يا حميدان نبيك محمد، وكان ردي الطفولي: لا محمد يدقّن، وقد كنت أظنه يعني أخي محمد -رحمه الله-. لقد قضى أبو عبدالله عمره في الكد والبذل لأسرته، في شبابه كان يعمل في الزراعة حتى يتمكن من تأمين مطالب العيش الكريم لنا، وفي طور آخر من أطوار حياته انتقل للعمل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكةالمكرمة وفي حاراتها المتعددة، مثل: أجياد والنقاء والفلق والقرارة، عضواً ثم رئيساً لإحدى مراكزها آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، متمثلاً بقول الله سبحانه وتعالى "وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، دون غلظة في القول ولا إسراف في التأديب. وعندما انتقلنا برفقته إلى مكةالمكرمة حرص على تسجيلنا بمدارس التعليم العام أنا وأخي عبدالعزيز -رحمه الله-، ومعظم ما وصلنا إليه من نجاحات في الحياة الدراسية والعملية يعود الفضل فيه بعد الله له لحرصه ومتابعته، ومعظم شهاداتي الدراسية في مرحلة التعليم العام تحمل توقيعه بصفته ولي الأمر. لقد كان لأخي وأبي صالح لمسات حانية أشعرني فيها بعطفه وحنانه مما جعلني أعيش طفولتي كأقراني الذين لم يفقدوا آباءهم، وكمثال على ذلك أذكر واقعة تعبر عن تلك اللمسات، ومن ذلك ما قام به -رحمه الله- بالاحتفاظ بعدد من حبات اليبيس (التمر السكري الناشف) الذي تضعه الوالدة -رحمها الله- على غداء الختّامة، الذين يقومون بحراثة الأرض استعداداً لوضع البذور في أحواض الزراعة، وذلك عندما يقدم لهم اليبيس عوضاً عن اللحم الذي نادراً ما يتوفر، عندها أكون أنا في المدرسة، وعندما أعود أجد أن أبا عبدالله لم ينسَني وأبقى لي بعض الحبيبات ليعطيني إياها، وبالتالي يدخل الفرح والسعادة عليّ، وأدركت أن غيابي في المدرسة لم يحرمني من نصيبي في الغداء. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يُكرم نزله ويطعمه من طعام الجنة الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. رحمك الله يا أبا عبدالله جزاء ما قدمت لي ولأخوتي من رعاية وعطف وحنان، وأجزل لك المثوبة، وجمعنا بك في مقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مُقتدر.. آمين يا رب العالمين.