من داخل قاعات المحاكم، حيث تُختصر أعمار من العِشرة في أوراق، وتتبدد سنوات من الاستقرار في جلسات معدودة، يتضح أن أغلب قضايا الطلاق والفسخ والخلع لم تبدأ بتجاوزات جسيمة ولا باستحالة عِشرة، وإنما بسوء إدارة الخلاف، وغياب الاحترام المتبادل، وفتح أبواب البيت لرياح التدخل والمقارنة، وكثرة اللوم على أخطاء صغيرة تحولت مع الزمن إلى أسباب انفصال كبيرة. الحياة الزوجية ليست معركة لإثبات الغلبة، ولا حلبة لتسجيل النقاط، وإنما شراكة إنسانية يُفترض أن تُدار بالعقل قبل الانفعال. فالاحترام ليس قيمة مثالية تُرفع عند الرضا فقط، بل ضرورة يومية، وبدونه تتحول المودة إلى شك، والحوار إلى اتهام، والخلاف العابر إلى خصومة قانونية لها تبعات لا تُمحى بسهولة. وكثرة اللوم، واستدعاء الأخطاء، وتحويل العتاب إلى أسلوب دائم، تقتل الاستقرار قبل أن يصل الخلاف إلى المحاكم. من حق الزوجة أن تُحترم، لا لأنها زوجة فحسب، وإنما لأنها شريكة حياة، ومربية أجيال، وصاحبة دور محوري في استقرار الأسرة. فالتقليل من شأنها، أو تجاهل رأيها، أو كسر كرامتها، ليس خلافًا عابرًا، بل شرخًا عميقًا يمهّد لانهيار العلاقة. وكثرة لومها على تفاصيل يومية أو هفوات غير مقصودة، دون تقدير لجهدها، تحوّل البيت من مساحة أمان إلى بيئة توتر دائم. وفي المقابل، فإن الزوج ليس آلة صلبة لا تتعب، وإنما إنسان يتحمل أعباء ومسؤوليات كبيرة، ويحتاج إلى تقدير واحتواء. الاحترام له يشمل عدم المقارنة الدائمة، أو التشكيك المستمر في قدرته، أو الانتقاص من عطائه. فالإفراط في لومه، وتحميله كل تقصير، يولّد شعورًا بالإنهاك والانسحاب الصامت، وهو أخطر على العلاقة من الخلاف المعلن. ومن واقع المحاماة، فإن القضايا الأكثر تعقيدًا ليست تلك التي غاب فيها الحب، وإنما تلك التي دُفن فيها الاحترام حيًا، وغاب عنها فقه التغافل والتغاضي. حين تصبح السخرية أسلوبًا، والتجريح لغة، وكثرة العتاب عادة، والصمت وسيلة ضغط، يبدأ العدّ التنازلي نحو الطلاق، حتى وإن تأخر اتخاذ القرار. وتتفاقم الأزمة حين يُسمح للآخرين بالتدخل في الحياة الزوجية؛ صديقة تحرّض، أو قريب يهوّن الانفصال، أو رأي يُقدَّم على أنه نصيحة، وهو في حقيقته تحريض غير مسؤول. هذه التدخلات، مع تضخيم الأخطاء وتجاهل المحاسن، كانت الشرارة الأولى في كثير من الدعاوى التي انتهت بأحكام قضائية قاسية، لا رابح فيها، خصوصًا حين يكون الأبناء طرفًا صامتًا في النزاع. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد عمّقت الجرح، حين صنعت وهم الحياة المثالية، ودفعت كثيرين إلى مقارنة واقعهم بصور مُصفّاة خالية من التعب والخلاف. فظنّ البعض أن السعادة تعني الكمال، وأن أي نقص مبرر للانسحاب، بدل إدراك أن التغافل الحكيم هو سر الاستمرار. الأنظمة العدلية وُجدت لحفظ الحقوق عند تعذّر التفاهم، لا لتكون البديل الأول عن الحوار. فالطلاق والفسخ والخلع إجراءات نظامية مشروعة، لكنها حلول استثنائية، وليست مسارات طبيعية لكل خلاف. فالقاضي يفصل في الحقوق، لكنه لا يعيد الثقة، ولا يرمّم ما كُسر بسبب تراكم اللوم وغياب التسامح. الوعي القانوني الحقيقي يبدأ قبل رفع الدعوى، حين يدرك الزوجان أن الاحترام المتبادل، وفقه التغافل، وتقدير الشريك، وإغلاق أبواب التدخل والمقارنة، هي أقوى ضمانة للاستقرار، وأفضل وقاية من الخصومة القضائية.