منذ تأسيس الدولة السعودية في عهد الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- إلى زمن استردادها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- إلى وقتنا الحاضر ظل ولاء أبناء الوطن راسخًا ومتجذرًا في نفوس الأجيال المتعاقبة. فقد حمل الآباء والأجداد راية الوفاء والالتفاف حول القيادة، وقدموا أرواحهم دفاعًا عن أرضهم وهويتهم، وورّثوا هذا الولاء لأبنائهم الذين يواصلون اليوم المسيرة ذاتها بثبات وإخلاص. وتُعد مدينة شقراء مثالًا حيًا على هذا الإرث الوطني، إذ سجّل أهلها مواقف بطولية في مراحل تكوين الدولة السعودية، وشيّدوا منظومة دفاعية متكاملة من الأسوار والمراقب التي لا تزال شاهدة على صمودهم ووفائهم. التحصينات الدفاعية في شقراء عبر التاريخ يشير الدكتور عبداللطيف الحميد، أستاذ التاريخ السعودي وصاحب دار تراث الوشم، إلى أن بلدات نجد -كبيرة كانت أو صغيرة- امتلكت عبر القرون وسائل دفاعية متنوعة تشمل الأسوار والحصون والمراقب والبوابات. وكانت هذه المنشآت تُرمّم باستمرار، إما بسبب السيول والأمطار أو نتيجة الحروب وغياب السلم. وفي شقراء تحديدًا، كان السور القديم يضم 27 برجًا بارزًا وعددًا من البوابات (الدراويز)، إضافة إلى المرقب الشمالي على الظهرة الشمالية والمرقب الجنوبي على الظهرة الجنوبية، إلى جانب مراقب جانبية أخرى، وقد وثّق الفريق الهندسي المصاحب لحملة إبراهيم باشا عام 1233ه / 1818م هذه التحصينات بدقة، بل فوجئ بوجود خندق يحيط بالسور ويزيد من صعوبة اقتحامه. ومع تطورات الأحداث في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وخصوصًا بعد استرداد الملك عبدالعزيز للرياض عام 1319ه ومحاولة ابن رشيد غزو شقراء، ازدادت الحاجة إلى تعزيز الدفاعات، فارتفع عدد الأبراج إلى 45 برجًا. وكانت لهذه المراقب أسر معروفة تتولى مسؤوليتها جيلاً بعد جيل، ما يعكس عمق الارتباط بين أهل شقراء ودورهم في حماية بلدتهم. مرقب الحسين.. شاهد تراثي يروي تاريخ شقراء وملاحم دفاعها كذلك يمثّل مرقب الحسين أحد أبرز المعالم التاريخية الدفاعية في مدينة شقراء، ويعد شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة خلال بدايات القرن الرابع عشر الهجري، وقد نال اهتماماً لافتاً من هيئة التراث حيث بُني حوله سور مع لافتة تعريفية بتاريخ مختصر وتحذير شديد من العبث به. وتشير الروايات المتداولة إلى أن تجديد بناء هذا البرج تم على الأرجح في العقد الثاني من ذلك القرن، ما بين 1310ه و1320ه، في فترة كانت فيها المدن والبلدات بحاجة إلى وسائل حماية ورصد مبكر ضد الغزوات والاعتداءات، ويصل طوله إلى 5 أمتار. التسمية والموقع اكتسب البرج تسميته من موقعه المشرف على مزرعة الحسين المعروفة بركية الحسين، إضافة إلى ارتباط اسمه ببانيه والمسؤول عنه سعد بن محمد بن عبدالعزيز الحسين، أحد رجالات شقراء المعروفين بالشجاعة والحنكة. وقد بُني المرقب في موقع استراتيجي مرتفع يشرف على المنطقة الشرقيه الشمالية لشقراء، ويتيح مراقبة محيط البلدة من جميع الجهات، ما جعله عنصرًا مهمًا في منظومة الدفاع القديمة. البناء والخصائص المعمارية يذكر محمد بن حسين بن سعد الحسين حفيد مؤسس المرقب أن هذا الشاهد التاريخي جرى تشييده باستخدام الحجارة المحلية القوية بدلًا من الطين، وذلك بهدف تعزيز صلابته وقدرته على مقاومة الرصاص في أوقات الحرب، إضافة إلى تحمّله لعوامل التعرية كالرياح والأمطار. ويتميّز البرج بتصميمه الدائري الذي يمنح من بداخله رؤية بانورامية شاملة، وهو ما يعكس فهمًا معماريًا دقيقًا لطبيعة الوظيفة الدفاعية التي أُنشئ من أجلها. أما مدخله فيقع في الجهة الجنوبية الغربية المطلة على المزارع، وهو مدخل مغلق بشكل دائم، ولا يعرف طريقة فتحه إلا الشخص المكلّف بالمرقب، حيث يزيل الحجر عند الدخول ثم يعيده ليبقى داخل البرج. دوره التاريخي وتشير الوثيقة المرفقة أن الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، أرسل خطابًا شخصيًا إلى سعد بن حسين يطلب فيه شراء البندقية بالمبلغ الذي يحدده، على أن تُسلّم إلى عبدالرحمن السبيعي، وقد تم دفع الثمن كما ورد في الخطاب التاريخي المرسل منه والذي جاء فيه: «من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى جناب الأخ المكرم الأحشم سعد بن حسين سلّمه الله وأبنائه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، على الدوام لازلتم بخير وسرور، أحوالنا من كرم الله جميلة، بعد ذلك من طرف ذخيرة البندق الذي عرفتنا عنها حال وصول الخط إليك سلمها لعبدالرحمن السبيعي، ومن طرف القيمة إن شاء الله تعرّفنا بها ونسنّعها لكم هذا حق تعبكم مع بلاغ السلام العيال ومن عندنا العيال يسلمون، ودمتم». باني المرقب أما عن باني المرقب فهو الشجاع سعد بن محمد بن عبدالعزيز بن حسين -رحمه الله-، الذي ولد ببلد أسرته شقراء عام1296ه، وتوفي بها عام 1352ه.، وأخذ العلم عن بعض العلماء كالشيخ علي بن عيسى، والشيخ إبراهيم بن عيسى، كما رافق الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ وأخذ عنه، وكان مع علمه رجلاً شجاعاً كريماً، وقد شارك مع الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في عديد من معاركه، وأهمها الشنانة والبكيرية. وقد اكتسب صفة الشجاعة من والده الذي كان أميراً لغزو شقراء في جيش الدولة السعودية الثانية في عدد من المعارك من أبرزها (معركة أم العصافير) عام 1301 ه، والتي استشهد فيها، ولكرمه وسخائه كان يفد إليه ويقصده كثير من الناس لقضاء حوائجهم. أما شقيقه عبدالرحمن فكان أصغر منه بما يقرب 10 أعوام، وحفظ القرآن وأخذ العلم عن كبار مشايخها وكان وكيلاً ومشرفاً على الأوقاف وكافة الأعمال الخيرية بشقراء لما يزيد عن أربعين عاماً وهو ما يعرف باسم (تمر الصوام) وأوقاف المساجد والسرج والمصابيح وكان محتسباً يعمل كل ذلك دون أجر. د. عبداللطيف الحميد