في زحام الأسواق، حيث تتعالى أصوات العروض وتزدحم الممرات بقوائم حاجيات رمضان، استوقفني مشهد بدا بسيطًا في صورته، عظيمًا في معناه. رجل يدفع والدته على كرسي متحرك، وهي تختار حاجيات الشهر بهدوء، بعينين تمتلئان تركيزًا وطمأنينة. لم يكن مشهدًا استعراضيًا، ولا لحظة مصطنعة. كان فعلًا عفويًا يحدث في صمت، بعيدًا عن عدسات الإعجاب. كان قريبًا منها بما يكفي ليسمع طلبها، ينحني قليلًا ليقرب إليها ما تريد، ينتظرها حين تتأمل بين نوعين من المعلبات ولا يبدُ عليه استعجال. في عالم يركض، كان هو يبطئ خطاه لتناسب خطاها. ذلك الكرسي المتحرك لم يكن مجرد وسيلة تنقل علامة على مرحلة من العمر يتبدل فيها الدور. هذه الأم التي تجلس اليوم، هي ذاتها التي حملته يومًا، ودفعته في عربة طفولته، ووقفت طويلًا أمام رفوف الحياة لتختار له الأفضل. اليوم، يمشي خلفها ليؤدي دينًا عاطفيًا لا يُكتب في الفواتير، لكنه محفور في القلب. شعرتُ للحظة أنها ربما أحست بشي من الحرج. فالأمهات اعتدن أن يكن واقفات، مدبرات، لا جالسات على كرسي أمام أعين الناس. ربما داهمها إحساس عابر بأن الأدوار انقلبت علنًا. لم أرد أن أكون نظرة تُثقِل اللحظة، فانتقلت بهدوء إلى الجهة الأخرى من الممر، كي تأخذ راحتها. كانت خطوة صغيرة، لكنها بدت لي جزءاً من المعنى. فالبر لا يكون فقط في الدفع، بل في حفظ الكرامة، وفي أن نمنح الآخر مساحته الآمنة. وأحيانًا، تكون الرحمة في الانتباه، وفي أن نشعر بما قد لا يُقال، فننسحب بلطف احترامًا لمقامٍ عظيم. في رمضان، نتحدث كثيرًا عن الصدقات والموائد والأجر المضاعف. لكن بعض الطاعات تبدأ من هنا من يد تدفع كرسيًا متحركاً بمحبة، ومن قلب يعرف أن أعظم العبادات قد تكون في خدمة أم تختار حاجيات بيتها. كبرتُ في حق ذلك الرجل، لا لأنه فعل أمرًا خارقًا، بل لأنه فعل ما ينبغي أن يكون طبيعيًا... لكنه أصبح نادرًا. وفي ذلك الممر المزدحم، لم تكن تُشترى حاجيات رمضان فقط، بل كان يُستعاد معنى البر حياً نابضاً بلا ضجيج.