.. أكره واقع الصراحة عند الشاعر الويلزي ""ديلان توماس""، خصوصا في قصيدته السوداوية"" لا تأخذك الرقةُ خلال ليلةٍ هانئة Do not go gentle into the good night""، وترتفع قمة السوداوية والقلق حين يقول: ""العمرُ المتقدم يجب أن يحترق بالخرَف في نهاية المطاف"". على أن تلك القصيدة صارت منبعا تفاؤليا عمليا بعد أن مات الرجلُ في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وهبّتْ حملةٌ في كل ""ويلز"" من أجل العناية بالمواطنين الكبار في السن، وتعجب كيف يكون تشاؤم، مثل قصيدة توماس، إلهاما فجريا لأكبر خطط للاهتمام بكبار السن، ويقال إن العناية المنزلية في الصنعة الصحية بشكلها العملي المعاصر شهدت مهدا لها في ""كارديف"" كبرى مدن ويلز، ثم انتشرت كالنهر الصاخب الجمال بشلالات إنسانية عبر الجزيرة البريطانية ثم للعالم.. من أجل غايةٍ رفيعةٍ وهي ألا ينتهي العمرُ المتقدم بحريق الخرَفِ في نهاية المطاف! ما زلنا مقصرين جدا في العناية بالكبار على الصعيد الصحي، وعلى الصعيد الاجتماعي، وعلى الصعيد النفسي .. والصعيد الأخير هو أكبر الهموم في مسألة المتقدمين بالعمر. ونعرف جميعا أننا شعب يتقدم عندنا السن، وهذا يرجع للحالة الأفضل صحيا ومعرفيا.. ولكن لهذا ثمن يدفع ألما ومعاناةً حينما لا نصعد بقدراتنا التحتية الخدمية لجعل الكبار ينهون مطافَهم بنور السكينة والاطمئنان، لا حريق الخرف. كان شيئا عاصراً للقلب، وأنا أعرف مشهدين: المشهد الأول في مطار جدة، وكنت أرى مسافراً عجوزاً يستعطف مَن يمر لكي يتنقل به ولو قليلا، والكثير لا يأبهون.. وقفز شابٌ اسمه ""جعفر"" من طلاب المنطقة الشرقية الذين يدرسون في جامعة الملك عبد العزيز، وأخذ يدور بالشيخ المُقعَد بكرسيه المتحرك في المطار حتى حان موعد رحلته، ورأيت الشابَّ يوصي الجميع ويقول لهم هذا أبي، وفجأة ينحني الشيخُ المقعَدُ على يد جعفر ليقبلها ليسحب جعفر يدَه بسرعة خاطفة وينحني بدوره مقبلا هامة الشيخ. دمعت عيناي من المنظر، وتقدمتُ لجعفر أشكره وامتَنَع عن قبول الشكر، وعرَفَني، وقال: ""إن كتبتَ شيئا عن هذا فركز على الحالة ولا تركز علي، ولا تذكر كل اسمي، كي لا تظن أني عملتُ ذلك لأني رأيتك"".. وأنا أعرف بالأكيد أن ""جعفر"" لم يرني إلا بعد أن سلم الشيخَ وحرّص عليه.. وتجدون أن جعفر ضرب مثالا للإحساس الحي، وهذا ما أجزم أنه يدور في نسغ شباب هذه الأمة.. ولكن هذا أبدا لا يكفي. المشهد الآخر، ما روي لي من سيدة أثق بها كل الثقة، في حادثة جرت بأحد مستشفياتنا الكبرى، عن امرأة عجوز كانت تدفع كرسيَّها المتحرك عاملةٌ، وتعاملها بمنتهى الفظاظة، ولا يتدخل أحد. ولما احتدت عليها ضربت بكرسيها الجدارَ فصرخت المرأة المُسنة المسكينة من ألمٍ لا يطاق من جراء الصدمة وهشاشة العظام .. ولم يتدخل أحد. ولما تقدمت المرأة لتتحدث مع العاملة نهرتها بقلة أدب، وقالت إن العجوزَ مخرفة ولا تفهم.. ولست ألوم العاملة، ولكن ألوم بكل غضبٍ واحتجاج على من أرسلها مع العاملة! كيف ننسى أنه فسيولوجيا يصل الإنسانُ عمرا لا يعود بإمكانه أن يكون مستقلا ومعتمدا على نفسه، وأننا نتلفت حولنا ونجد أن من ربّانا ومن تعب بكل حياته من أجلنا، ومن عانى ومن تعب وعجز الآن، يلاقي الأمرّيْن وعذابات المعاناة ليس كل يوم، بل في كل لحظة، في كل حركة، في كل فكرة تدور برأسه .. لا تنسوا أنكم يوما ستلحقون نفسَ العمر، إن لم يكن ما نفعل من أجلهم، فليفعله القادمون حتما إلى تلك المرحلة من الأعمار. ولنتكلم من ناحية وظيفية جسدية الآن، لنتعرف على خمسة عوارض مشتركة تصيب المسنّين وهي: الكآبة، فقدان الذاكرة، ضعف الرؤية، ضعف السمع، الارتباك الدماغي. ولا شك أن الكآبة هي أم كل المعضلات، وهي شيء غير القلق، فالقلق عالق بسببه، متى انتهى السبب راح معه القلق، ولكن الكآبة اختلال مرضي في كيمياء الدماغ مسحوب على الزمن لا على الظرف ولا على الموضوع، وهو مرض قاتل، ومن أشد الأمراض فتكا.. ولكن لا ننسى أن الكآبة تبدأ بالقلق ثم الخوف، فالمسنون هم أكثر من يهابون ظروف الحياة، ويتروعون من الوحدة، ويهددهم رعب العجز، ويُغَذَّى برافدٍ قاتم بإحساس جاثم بأنه غير مرغوب بهم، وأنهم عبءٌ ليس فقط على أهاليهم وعلى مجتمعهم، بل حتى على الحياة ذاتها. ثم ينحدر وللكآبة لما يضيع التوازن في الناقلات العصبية البينية في الدماغ. يُصرَف للكبار الأدوية الخاصة بمضادات الكآبة، لكن هذا ليس حلا، ولكنه تعامل مع ظاهرة وليس سبب العلة. الكبار يحتاجون إلى حميمية، ولإشعارهم بالأهمية، وبالرفقة التمريضية المناسبة، وهذا إن لم يوفره الأبناءُ والبنات في العائلة فهو أمر معيب ومخل وجريمة سيحاسبون عليها في يوم الحساب، على أننا أيضا كمجتمع وكقطاع صحي وبمجمل مرافق الدولة مسؤولون واجبا أمام هؤلاء الكبار، ليأخذوا اهتماما مركزا في كل شيء.. وأنصح الأبناءَ بأخذ كبارهم للمشي الخفيف خارج البيت، والتحدث معهم، والتعمد في أخذ نصيحتهم وترك أطفالهم بنشاطهم وبراءتهم باللعب معهم فهم أقوى علاج مضاد للكآبة على الإطلاق. وأتمنى دور عناية متخصصة وراقية المرافق للكبار، وآمل من الجهاز التربوي لفت عناية الأطفال وطلاب المدارس إلى تخصيص أوقات مبرمجة لزيارتهم والجلوس معهم .. كما على الجمعيات الاجتماعية أن تعد برامج مكثفة تطوعية تحت اسم ""نقبّل هاماتكم"". تماما كما فعل جعفر!