" نحن من يصنع غرور البعض"، عبارة مررت بها، تعددت نسبتها، وتوحد معناها، وهذا ما يهم، وهي على وجازتها، تفتح بابًا واسعًا لفهم ظاهرة نفسية وفكرية معقدة، ظاهرة تنشأ حين يلتقي الإدراك الذاتي بالانعكاس الاجتماعي، فيتشكل وهمٌ ناعم، يتغذّى من النظرات، وينمو مع التحليل، حتى يتحول إلى يقين داخلي بأن الإنسان يقف في مركز كل شيء، وأن المحيط، بطريقة خفية أو معلنة، يتحرك وفق إيقاع وجوده، فكأنه منصة مراقبة تتحرى انعكاسها في المارة، وفي الوقت نفسه هي نفسها محل مراقبة العابرين وقد خرجوا من إطار العابرين إلى المراقبين والمهتمين والباحثين، وأحياناً المترصدين، ليرى نفسه محط النظر ومنتهي الخبر، فتسامت بطريق وبآخر محورية شكلت ذاته وشكل بها نفسه وهذا رغم رفضه إلا أنه يفسر بالانعكاس الاجتماعي الذي أورثه عمل الآخر فيه، ومن وضعه فوق منزلته ورفعه عن كينونته. ما سبق محورية صنعها المحيط وغذّتها نفس تتحرى، وروح تكمل نقصها بهذا وغيره، إلا أننا هنا نتدارس وهم المحورية الذي صنعته الذات فقط، وليس لما سواها خطوة في ذلك، فقد ولدت فجأة، وبلا مفسرات وحرمت بالكلية أي مبررات، وهذا الشكل من المحورية يتجلّى بوضوح في تلك الحالة الذهنية التي يعيش فيها الإنسان تحت ما يمكن وصفه بوهج المراقبة المتخيَّلة، حيث يشعر أن العيون تتبعه، وأن الحضور من حوله يحمل انتباهًا خفيًا نحوه، وأن حركته مرصودة ضمن مسرح غير مرئي، يمشي بين الناس وهو يعتقد أن لكل التفاتة معنى، ولكل صمت تفسير، ولكل نظرة دلالة تخصه، وفي هذا الإحساس، يتضخم الشعور بالظهور حتى يتحول إلى يقين داخلي بأن وجوده يحتل مساحة أكبر مما يشغله في الواقع، وكأن ما يعيشه نتيجة لفرط وعيه الذاتي في مراقبة نفسه، فيتحول من أداة إدراك إلى مصدر إسقاط، إسقاط حضوره الداخلي على الخارج، ليرى نفسه في عيون الآخرين حتى في لحظات انشغالهم بأنفسهم، وانغماسهم في شؤونهم وتتداخل الصورة الداخلية مع المشهد الخارجي، فيتشكل تصور مستمر بأن الانتباه موجّه نحوه، وأنه يقع في عمق الإدراك الجمعي، وهذا الشعور لا يرتبط بالواقع بقدر ارتباطه بالإحساس الداخلي، فكلما اشتد وعي الإنسان بذاته، ازداد إحساسه بأنه ظاهر، وأن هذا الظهور يحمل صدى لدى الآخرين. وفي هذه الحالة، يتحول المرور العادي إلى تجربة مشحونة بالتفسير، والنظرات العابرة إلى إشارات ذات معنى خاص، وتبدأ (أحس أن هذا ينظر إلي)، (كلهم ينظرون إلي)، (أحس أنه يريد قول شيء ما لي)، وقس على هذا الكثير من العبارات التي تحصره في محورية موهومة. الواقع يسير وفق منطق مختلف تمامًا، فكل إنسان يعيش في مركز وعيه الخاص، منشغلًا بتفاصيله، ومثقلًا بأسئلته، وموجّهًا طاقته نحو مساراته الشخصية، وللإحاطة فإن أهم ما يحرك دائرة الانتباه البشري هو الانتقائية القائمة على الأولويات الداخلية، وعليه فأين هي أولوية مراقبتك لعابر يسير في طريقه ويتجول في داخله ويتداخل في أسئلته؟ ولماذا ينتابك الشعور أنك من ضمن تلك الأسئلة؟ الإنسان الذي يشعر بأنه محور الانتباه يعيش داخل إسقاط ذهني، بينما يتحرك الآخرون ضمن دوائرهم الخاصة دون ارتباط مباشر به، وهذا التباين بين الإحساس والواقع يخلق تجربة ذاتية كثيفة، حيث يفسّر الفرد العالم عبر مرآة ذاته، ويمنح حضوره امتدادًا يتجاوز حدوده الفعلية. ختاماً.. أنت مهم جداً بما يكفي، ولكن ضمن دائرتك، وحتماً ليس كل هذا العالم هو دائرتك.