في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، يستحضر السعوديون ذكرى يوم التأسيس، بوصفه محطة مفصلية في تاريخ هذه البلاد، حين تولّى الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - إمارة الدرعية عام 1727م، إيذاناً ببداية عهد الدولة السعودية الأولى، التي أرست الأساس الذي قامت عليه المملكة العربية السعودية. لم تكن الدرعية مجرد بلدة في وادي حنيفة، بل كانت نواة مشروع سياسي وحضاري تشكّل في سياق إقليمي اتسم بالاضطراب والانقسام. ومن تلك الواحة انطلقت رؤية دولة تقوم على الاستقرار، وتنظيم الحكم، وترسيخ الأمن، وتعزيز تماسك المجتمع، ونشر العلم والمعرفة، في مرحلة كانت المنطقة بأمسّ الحاجة إلى كيان يجمع ويوحّد ويؤسس لمرحلة جديدة. وقد تميزت مرحلة التأسيس بوعي مبكر بمعنى الدولة ومقوماتها؛ إذ لم يكن البناء آنذاك عسكرياً أو سياسياً فحسب، بل كان مشروعاً مجتمعياً متكاملاً، قام على إرساء العدل، وتنظيم الإدارة، وتعزيز الأمن، واحتضان العلم وأهله. فشهدت الدرعية نهضة عمرانية واقتصادية وتعليمية ملحوظة في سياقها الزمني، وأصبحت مركزاً يقصده طلاب العلم والتجار والباحثون عن الاستقرار. ولم يكن ذلك التحول وليد الصدفة، بل ثمرة قيادة أدركت أن النهضة لا تستقيم إلا بالعلم، ولا تدوم إلا بالعدل، ولا تترسخ إلا بتماسك المجتمع. ومن هنا تشكّل نموذج دولة منظمة سبق كثيراً من الكيانات المعاصرة له في المنطقة من حيث وضوح الرؤية، وترابط القيادة بالمجتمع، واستناد الحكم إلى قيم دينية وثقافية راسخة. لقد كان مشروع الدولة السعودية منذ بداياته مشروع استقرار ووحدة، حمل قيم الانتماء والهوية، ومزج بين الأصالة والتجديد في إطار من الالتزام بثوابت هذه الأمة. واستمر هذا الامتداد عبر مراحل الدولة السعودية الثانية، ثم الثالثة، حتى توحيد المملكة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - لتتجسد الدولة الحديثة على أسس راسخة ضاربة في التاريخ. إن الاحتفاء بيوم التأسيس ليس استدعاءً لذكرى تاريخية فحسب، بل هو تأكيد على أن جذور الدولة السعودية عميقة ومتجذرة، وأن مسيرتها لم تكن وليدة ظرف عابر، بل امتداداً متصلاً لمشروع بدأ في الدرعية واستمر عبر القرون. فالقيم التي قامت عليها الدولة في بداياتها - الأمن، والعدل، ووحدة الصف، والعناية بالعلم - لا تزال هي ذاتها التي تحكم مسيرتها اليوم. وفي هذا العهد الزاهر، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - تشهد المملكة مرحلة تحول كبرى، تُجسد امتداداً طبيعياً لذلك المشروع التأسيسي، عبر رؤية 2030 التي أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد على أسس حديثة، دون انفصال عن الجذور أو تنكّر للماضي. فما نشهده اليوم من تنويع اقتصادي، وتطوير تشريعي، وتمكين للمرأة، واستثمار في قدرات الشباب، وتعزيز لجودة الحياة، وترسيخ للحضور الدولي للمملكة، إنما هو حلقة جديدة في مسيرة دولة عرفت منذ نشأتها أن البناء الحقيقي هو بناء الإنسان، وأن الاستقرار هو قاعدة التنمية، وأن وضوح الرؤية هو سر الاستمرارية. يبقى يوم التأسيس مناسبة تتحد فيها الذاكرة الوطنية بالحاضر، ويستحضر فيها السعوديون جهود أسلافهم الذين وضعوا اللبنات الأولى لدولة الوحدة والاستقرار، ويدركون أن المستقبل الواعد الذي تسير إليه المملكة إنما يستند إلى تاريخ راسخ، ومشروع ممتد، ورؤية ثابتة. وهكذا تبقى رحلة الدولة السعودية، منذ الدرعية وحتى اليوم، رحلة عنوانها الوحدة، والأمن، والقوة، والازدهار؛ تختلف تفاصيلها عبر الزمن، لكن جوهرها يبقى واحداً: دولة راسخة الجذور، واضحة الرؤية، ممتدة المسيرة.