السرد الاستراتيجي ليس ترفًا لغويًا، ولا إعادة صياغة لبيانات صحفية. هو الطريقة التي تتحول بها الرؤية من وثيقة رسمية إلى تجربة يمكن أن يعيشها الإنسان، كل مؤسسة تمتلك خططًا، لكن القليل منها يمتلك قصة، والفرق بين من يعلن مشروعًا ومن يبني ذاكرة، هو الفرق بين إدارة الإنجاز وصناعة الأثر. حين ننظر إلى متنزه العلوم في منطقة الابتكار بجامعة الملك فيصل يمكن أن نصفه بلغة إدارية: بنية تحتية متقدمة، مساحات بحثية، حاضنات أعمال، شراكات صناعية، دعم للشركات الناشئة. هذا وصف صحيح، لكنه لا يكفي ليصنع ارتباطًا عميقًا. السرد الاستراتيجي يبدأ من الإنسان، يبدأ من باحث كانت فكرته حبيسة ورقة علمية، أو من طالب رأى مشروع تخرجه ينتهي بانتهاء الفصل الدراسي. في لحظة ما، يدخل هذا المشروع إلى منظومة متنزه العلوم، يتحول البحث إلى نموذج أولي، والنموذج إلى منتج قابل للاختبار، والفكرة إلى شركة ناشئة تجد لها موطئ قدم في السوق، هنا لا نتحدث عن مبنى، بل عن انتقال معرفي واقتصادي واجتماعي. القصة الحقيقية لمتنزه العلوم ليست في عدد الشركات الناشئة والمحتضنة والمنبثقة من مخرجات الأبحاث وبراءات الاختراع، بل في إعادة تعريف دور الجامعة: من مصدر معرفة إلى منصة إنتاج قيمة. من تعليم تقليدي منفصل عن السوق، إلى منظومة تربط التميز الأكاديمي بالبحث التطبيقي وريادة الأعمال في سلسلة واحدة متكاملة. في هذا السياق، يصبح المتنزه جسرًا بين المختبر والمجتمع، بين الفكرة والاستثمار، بين الطالب وسوق العمل. والسرد الاحترافي لا يكتفي بعرض هذا الجسر، بل يوضح لحظة العبور: ماذا تغير في حياة الباحث؟ كيف انعكس المشروع على المجتمع المحلي؟ ما القيمة التي أضيفت للاقتصاد الوطني؟ عندما تُبنى قصة متنزه العلوم حول هذه التحولات الإنسانية، يصبح المشروع قابلًا للفهم والانتماء. يرى الطالب نفسه جزءًا من الحكاية، ويدرك الشريك الصناعي دوره في المنظومة، ويشعر المجتمع أن الجامعة تعمل لأجله لا بمعزل عنه. الفرق بين عرض المشروع ورواية قصته، أن العرض يخبرك بما أُنشئ، أما القصة فتريك ماذا تغيّر. وحين تُوثق هذه التحولات وتُحفظ ضمن سردية متسقة، يتحول متنزه العلوم من مبادرة مؤسسية إلى فصل مهم في ذاكرة الجامعة. فصل يروي كيف انتقلت الجامعة من تعليم المعرفة إلى صناعة المستقبل. السرد الاستراتيجي هنا ليس أداة إعلامية، بل مسؤولية قيادية، مسؤولية أن نربط الرؤية بالإنسان، والإنجاز بالأثر، والمكان بالتحول. فالخطة تُدار بالعقل.. أما القصة فتبني ذاكرة.. ومن الذاكرة يولد الامتداد عبر الأجيال. م . محمود عبدالرحمن