قبل أن يصبح وادي السيليكون القلب النابض للذكاء الاصطناعي والتقنية المتقدمة، وقبل أن تولد شركات غيّرت شكل العالم مثل: Apple وGoogle وIntel وNVIDIA، كانت كاليفورنيا وادياً زراعياً هادئاً، تُزرع فيه أشجار الخوخ والمشمش، وتغادره العقول الشابة متجهة إلى جامعات الساحل الشرقي. لم تكن هناك صناعة تقنية، ولا اقتصاد معرفي، ولا أفق واضح لمستقبل علمي منافس. غير أن مأساة إنسانية واحدة غيّرت المسار؛ وفاة فتى في الخامسة عشرة من عمره صنعت لاحقاً واحدة من أعظم منظومات الابتكار في التاريخ الحديث. في أواخر القرن التاسع عشر، كان الشرق الأميركي مركز الثقل العلمي والاقتصادي، حيث هارفارد وييل وبرنستون وكولومبيا وMIT، بينما كانت كاليفورنيا بعيدة عن هذا المشهد، تعاني نزيف العقول وهجرة المواهب. أدرك ليلاند ستانفورد، حاكم الولاية السابق، أن النهضة لا تتحقق بلا جامعة قوية تحفظ أبناءها، وتصنع صناعاتها، وتؤسس اقتصاداً مستداماً، كانت تلك القناعة الشرارة الأولى. عام 1884، فقد ليلاند ستانفورد وزوجته جين ابنهما الوحيد، ليلاند ستانفورد جونيور، إثر إصابته بالحمى التيفوئيدية خلال رحلة إلى أوروبا، صدمة قاسية تحولت إلى قرار غيّر وجه العالم، قال الأب عبارته الشهيرة: "فلنجعل أبناء كاليفورنيا جميعهم أبناءنا"، هكذا وُلد قرار تأسيس جامعة تحمل اسم الابن وتخدم مستقبلاً كاملاً. افتتحت جامعة ستانفورد عام 1891 برؤية مختلفة: جامعة عملية، مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، تركز على الهندسة والعلوم، وتؤمن بأن التعليم وسيلة لبناء النهضة لا ترفاً أكاديمياً. بهذه الروح، تحولت ستانفورد إلى حجر الأساس لأعظم منظومة ابتكار في القرن العشرين. بعد نحو نصف قرن، جاءت اللحظة الفارقة مع فريدريك تيرمان، الأب الروحي لوادي السيليكون، الذي غيّر العلاقة بين الجامعة والسوق عبر تشجيع الطلاب على تأسيس شركاتهم بدلاً من انتظار الوظائف، وإنشاء "حديقة ستانفورد للأبحاث"، وربط الجامعة ببرامج البحث العسكري والمدني، ما وفّر تمويلاً ضخماً أطلق مشاريع الحوسبة والاتصالات وبدايات الإنترنت. من كراج صغير، وُلدت HP عام 1939، ثم تتابعت موجات الابتكار: Fairchild Semiconductor، ومنها Intel، ثم Apple وCisco، وصولاً إلى Google وMeta وNVIDIA وOpenAI. لم تكن مجرد شركات، بل أعمدة أعادت تشكيل طريقة عمل العالم وتواصله. تحولت ستانفورد إلى مزرعة مواهب عالمية؛ منها تخرج مؤسسو كبرى شركات التقنية، وقادة غيّروا وجه الاقتصاد الرقمي. واليوم يضم وادي السيليكون عشرات الآلاف من الشركات، ويوفر أكثر من مليون وظيفة، ويضاهي ناتجه الاقتصادي اقتصادات دول كاملة، رغم تحدياته الاجتماعية والاقتصادية. حاولت دول كثيرة استنساخ التجربة، لكن الوادي ليس مباني وشركات فقط، بل مزيج نادر من جامعة قوية، وثقافة مخاطرة، وتمويل طويل الأجل، وتشريعات مرنة، وتاريخ ممتد من الابتكار. في السياق السعودي، ومع التحول الاقتصادي والتقني غير المسبوق، تبرز فرصة حقيقية لبناء منظومة ابتكار وطنية. تمتلك المملكة رأس المال، والرؤية، والسوق، والإرادة، وجيلاً شاباً متعطشاً للإنجاز. ويبقى العامل الحاسم هو بناء منظومة متكاملة تربط الجامعة بالسوق وتحول المعرفة إلى شركات. تكرار التجربة حرفياً غير ممكن، لكن صناعة "وادٍ سعودي" متفرّد ممكن جداً. فالقصة بدأت بوالدين مفجوعين، وانتهت بمنظومة غيّرت العالم، وربما أعظم فصول القصة السعودية لم تُكتب بعد. حمد بن عبدالرحمن التركي