أخطر ما يمكن الإشارة إليه هو اعتقاد الكثير من الدول التي تفقد توازناتها السياسية أنه يجب عليها أن تكون جزءًا مهمًا في مساحات التقاطع الاستراتيجي؛ سواءً ما يقع في محيطها استراتيجيًا أو ما يبتعد عنها، فهي تريد أن تكون جزءًا من التفاعلات الإقليمية بغض النظر عن موقعها بعدًا أو قربًا من تلك التفاعلات.. في عالمنا القريب والبعيد هناك بعض الدول التي تظهر على الخارطة الدولية وهي تحمل أفكارها السياسية بمركبة لا تتسع لتلك السلسة من الأفكار، وخاصة إذا كانت تلك الأفكار تتميز بأنها تعمل خارج معادلة الواقع، وتتحول القضايا الخاصة بمواجهة التحديات التنموية في تلك الدول إلى حالة من محاولات مستمرة لتغيير الواقع السياسي المحيط بدلا من معطيات تنموية محلية، ومن هنا يمكن القول إن الدول تصبح بعيدة عن الواقع عندما تصنع لنفسها تحديات سياسية أبعد من محيطها الجغرافي، ويكون ذلك بشكل مباشر على حساب تحديات أخرى تجب مواجهتها أولا وقبل كل شيء، كالتحديات البشرية والاقتصادية والاجتماعية والسكانية والثقافية. عبر التاريخ ثبت الكثير من القواعد السياسية المهمة، ومن أبرزها أن الدول التي تحمل الأفكار غير القابلة للتوافق مع واقعها فإن تلك الأفكار تصبح عبئا على تلك الدول، وخاصة الدول التي تعتقد أن تغيير الواقع يمكن أن يتم بقواعد وتقاليد لم تحصل على الإجازة من التاريخ، فالوفرة الاقتصادية على سبيل المثال هي حالة مؤقتة خاضعة للعرض والطلب ولا يمكن الاعتماد عليها في بناء الطموحات للدول، فهناك دول بحاجة إلى عشرات السنين؛ بل قد يمتد الأمر إلى قرن أو اثنين حتى تتمكن من دخول بوابة التاريخ، كدول ذات عمق وهوية وولاء شعبي واعتراف بالكيان السياسي، وخاصة إذا كانت تلك الدول تعاني من أزمات تخص التركيبة السكانية التي يشكل اختلالها تهديدا مباشرا يمكنه إغراق الهوية الوطنية، وفي ذات الوقت يخلق هذا الخلل تحديا كبيرا يصل إلى تحول الهوية في تلك الدول إلى فرصة يتم من خلالها تنفيذ عملية استعمار ثقافي وتغريب اجتماعي وتهديد مباشر للهوية بكل تفاصيلها. الدول التي تتحول أفكارها إلى عبء كبير هي دول تعاني من فكرة عدم اليقين في دورها الطبيعي وهي تتعمد مخالفة التاريخ بالقفز على القواعد والقيم دون مقومات فعلية، فالمساحات الجغرافية للدول لا يمكن توسيعها لمجرد الرغبة في ذلك، والتركيبة السكانية للدول لا يمكن تجاوزها، فالعدد القليل سوف يظل كذلك، والمساحة الصغيرة سوف تظل كذلك، وهذه قواعد التاريخ. اللعب خارج هذه المعادلة مخاطرة استراتيجية لا تنتج التوازن أو الاستقرار؛ بل تنتج سباقات نفوذ مفتوحة غير متوازنة تخلق في النهاية سياسات خطرة تجعل الدول غير القادرة على حمل أفكارها تتحرك في المناطق المفتوحة بشكل يتجاوز قدراتها، وهنا تنشأ المشكلة؛ فالدول الراغبة في التعامل بواقعية مع محيطها الاستراتيجي تواجه تصورات استراتيجية غير منضبطة من دول أخرى هدفها في النهاية إدخال الإقليم في حالة توتر طويل الأمد. عندما تتجاوز بعض الدول فكرة التعاون مع شركائها في المنطقة عبر الخروج عن المسار المعتاد وتتصور أن هناك مساحة مفتوحة من التعدد دون قيود وتتصور أن الاستقلالية مساحة بلا خطوط حمراء، فهي بذلك تدفع بالآخرين إلى مواجهتها، كون هذه الدول تصل إلى مرحلة تكون هي بذاتها قد أغلقت البدائل عبر الاعتقاد بوهم الحسم النهائي وفرض الأمر الواقع على واقع لا يقبل من تلك الدول البدائل السياسية التي تطرحها. أخطر ما يمكن الإشارة إليه هو اعتقاد الكثير من الدول التي تفقد توازناتها السياسية أنه يجب عليها أن تكون جزءا مهما في مساحات التقاطع الاستراتيجي سواء ما يقع في محيطها استراتيجيا أو ما يبتعد عنها، فهي تريد أن تكون جزءا من التفاعلات الإقليمية بغض النظر عن موقعها بعدا أو قربا من تلك التفاعلات. الرسالة الواضحة لتلك الدول هي ضرورة إدراكها أن الإقليم ليس في حالة سيلان استراتيجي يسمح بالتنقل من مشهد إلى آخر دون أسئلة جوهرية تحدد المساحات وتضبط التصورات، وعلى تلك الدول أن تدرك أن اعتلال موازين القوى يشكل خطرا عليها قبل كل شيء وخاصة عندما يتجاوز الأمر نحو جلب لاعبين جدد في المحيط الإقليمي. الحقيقة الأهم هي أن الحاجة إلى الأكبر سوف تظل قائمة في الإقليم لكي يمارس دوره المتجدد، فهو يسعى إلى تعميق الاندماج بين المنظومة وتقديم مقاربة استراتيجية تضمن للجميع تكافؤ الفرص وفق القيم والتقاليد التاريخية لكل عنصر في الإقليم بحسب إمكاناته وقدراته، فالكبير يلعب دوره التاريخي في تقاسم العبء مع جيرانه كل حسب قدراته، وفي النهاية يظل هو المسوؤل الأول والأخير عن إدراة التهديدات التي تحيط بالمنطقة وكيفية التعامل معها عبر تنسيق الأدوار وترتيب المهمات في منطقة هي بحاجة إلى تعزيز الاستقرار بعيدا عن تحول الأفكار إلى عبء كبير يصعب تحمله أو السكوت عنه.