التعاسة... ذلك الهمس الذي يغتالك على حين غفلة. ليست لحظة غضب عابرة، ولا بكاء يُسمع، ولا أنينًا ينتابك بصمت؛ بل هي حالة رتيبة، أعمق مما نظن، تقيم في النفس من حيث لا نشعر. تمرّ عبرها، تلامس المشاعر فتجعلها مُنهكة، وتربك اللحظات السعيدة، فتصبح الألوان باهتة، والمشاعر ذابلة، والكلمات بلا معنى. هي حالة من حالات استيقاظ الإنسان، يشعر معها بعدم اتزان، وبثِقلٍ بلا سببٍ واضح؛ كأنه يترقّب خبرًا حزينا، أو يريد الهروب من شيءٍ لا يعرفه، بلا سببٍ وقع، ولا حدثٍ مؤلمٍ به فُجع. الحياة، بكبر اتساعها، تصبح مخيفة. قد تأتي التعاسة من شيءٍ لم يكن، أو من وجدٍ لم يعرف منتهاه، أو من أنك تسير في الحياة دون انتباه. وقد تأتي لفؤادٍ أعطى حتى أفنى، ثم خُذل، أو من أهدافٍ خُطِّط لها ثم هوت. ربما تأتيك التعاسة من مصادر عدة، منها: المقارنة مع الآخرين: وهي ظالمة قطعا؛ لأن ظروفهم وإمكاناتهم تختلف، وقد لا تتقاطع مع ظروفك، فتظن أن الحياة مُنحت لهم وسُلبت منك، وتركَتك وحيدًا بلا عنوان. عدم الرضا: فالسعي وراء الكمال، والركض خلف خرافة الامتياز، قد يفقدك متعة اللحظة. كثيرًا ما تستحضرني عبارة منقوشة قبل خمسة قرون، ولا تزال باقية على واجهة كاتدرائية في أمستردام بهولندا: (ارضَ بما ليس منه بُدّ). إلقاء الملامة على الآخرين: وهي مهمة سهلة، تُسقط عنك التكلف، وتُعفيك في نظرك من تحمّل المسؤولية واستشعارها. الحسد والحقد: ما خلا جسدٌ من حسد؛ يظهره اللئيم ويخفيه الكريم. وهاتان الصفتان تغتالان الفرح والسلام الداخلي، وتبعثرانهما نتيجة شعورٍ بالنقص، وحالةٍ من العجز وقلة الحيلة. تصنيف البشر: وهو محاكمة صامتة يُستباح فيها وصف الآخرين كما يحلو لنا، دون أن نمنحهم فرصة للتعبير عن أنفسهم. نرتبهم كأنهم أرقاما جامدة، دون مراعاة لإنسانيتهم؛ بحسب أرصدتهم البنكية، أو أشكالهم، أو طباعهم، أو ألوانهم، أو حتى جنسياتهم. نُجيز ما يروق لنا، ونُقصي ما لا نراه مناسبًا، ثم نمضي مطمئنين. التصنيف لا يوضح حقيقتهم، بل يعكس قسوتنا تجاه بعضنا البعض؛ فالإنسان أعقد من حُكم، وأصدق من بيان. وقد حسم لنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حقيقة ذلك بقوله:(لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). الإكثار من الشكوى: قد يخفف عبء المشاعر مؤقتًا، لكنه بلا جدوى حقيقية، بل يستنزف من رصيد احترام الآخرين لك، ويجرح هيبتك دون إدراك منك. مراقبة الآخرين: تأكد أنها ليست فضولًا بريئًا؛ فمن راقب الناس مات همًّا، كما قيل. نتتبع خطوات الآخرين لا لأنهم متميزون عنا، بل لنسأل أنفسنا: هل نحن بخير؟ نضع رادارا نتابع به آخر تحديثاتهم لنقارنها بواقعنا، وهذا يعكس قلوبًا خاوية، ونفوسًا ضعيفة تركت ذاتها فارغة، فانشغلت بغيرها، وعطّلت تقدمها. هل التعاسة قرار أم اختيار؟ الاستسلام حالة تُوصَف باليأس. ففي غالب الأحيان نحمل الحياة مسؤولية مشاعرنا، بينما التعاسة تُصنع بإرادتنا، وتستوطننا إذا لم نقاومها. هي تحليلنا للمواقف، وأسلوب حديثنا مع أنفسنا، ومنهجية إيماننا بأننا الأقل حظًا مما نستحق. هي تلك الحرب الخفية بين ما نتمناه وما لا ندركه، بين ما نستطيع البوح به وما نخفيه، بين المنطق والعاطفة. عندما تشعر بأنك تعيس، تذكر أنك لست وحدك، وأن هذا الشعور ليس انهزامًا، بل تعبير عن إنسانيتك. فالنفس مهما خفت وهجها، تعاود السير نحو النور إذا مُنحت وقتًا للراحة. التعاسة ليست مؤشرًا للفشل، ولا لعدم المقدرة، ولا لأنك غير مرحّب بك؛ بل هي تنبيه من قلبك يقول: استرح قليلًا... لقد أُنهكت. كيف تستريح من التعاسة؟ بتقبّل الواقع، وكسر الروتين، ومخاطبة النفس بالتي هي أحسن، والإصغاء لحسك الداخلي الذي كثيرًا ما تتجاهله، والاهتمام بالأشياء الصغيرة: كرياضة المشي، ومحادثة صديق يفهمك، وكوب قهوة، أو قراءة كتاب. القسوة لا تغلب التعاسة، بل اللين هو من يفعل — مع ذاتك أولًا، ثم مع من حولك. الخاتمة: لا تظن أن التعاسة تترصد لك كما تتخيل، بل هي إشارة إلى أمرٍ ما حدث ويجب ألا تُهمله. تُظهر لك ما تحتاجه، وما تستره، وما يتحتم عليك إصلاحه لتستمر وتتطور. وعندما تستوعبها، تصبح جزءًا من مسيرتك، لا مصيرًا لها.