تعد نظرية (التعلم الاجتماعي) من أهم نظريات التأثير الإعلامي التي تستخدم لدراسة تأثير وسائل الإعلام على الجمهور، خاصة الأطفال. تنطلق هذه النظرية من فرضية أن الجمهور يستقبل الرسائل الإعلامية ويتعلم منها عبر الملاحظة والتقليد، فالطفل مثلاً حين يشاهد شخصيات إعلامية تمارس سلوكاً معيناً فهو ربما يكتسب هذا السلوك بوصفه نموذجاً قابلاً للتطبيق على الواقع. من هذا المنظور، تصبح الشخصيات الكرتونية وأبطال الأفلام والمشاهير والمؤثرون نماذج اجتماعية تسهم في تشكيل السلوك والاتجاهات والقيم. ارتبطت نظرية التعلم الاجتماعي باسم عالم النفس الكندي الشهير ألبرت باندورا، وتقوم النظرية على عدد من المبادئ الجوهرية، أهمها مبدأ (التعلم بالملاحظة) الذي يرى أن الأفراد يتعلمون عبر مشاهدة سلوك الآخرين دون الحاجة إلى تجربة مباشرة، حيث يكون سلوك الآخرين هو نموذج يمكن تقليده على الواقع. وهنا يشكل الوالدان والمعلمون والأصدقاء والشخصيات العامة ووسائل الإعلام نماذج سلوكية قابلة للتقليد. نشأت النظرية في ستينات القرن العشرين في سياق علمي واجتماعي اتسم بانتشار التلفزيون وتصاعد القلق من تأثير الإعلام على الأطفال، ومن أهم التجارب في هذا المجال تجربة الدمية البلاستيكية، وهي تجربة شهيرة أجراها باندورا لاختبار فرضية التعلم بالملاحظة. وتقوم التجربة على تعريض مجموعة من الأطفال لمقاطع فيديو يظهر فيها شخص بالغ يمارس سلوكاً عدوانياً تجاه دمية بلاستيكية كبيرة، ثم أدخل الأطفال لاحقاً في غرفة تحتوي على الدمية نفسها، فأظهرت النتائج أن الأطفال الذين شاهدوا السلوك العدواني قاموا بضرب الدمية كما شاهدوا في المقطع التلفزيوني، بمعنى أنهم قاموا بتقليد السلوك الذي شاهدوه على الشاشة مقارنة بالأطفال الذين لم يتعرضوا لهذه المشاهد، فلم يقوموا بتصرفات عدوانية واضحة تجاه الدمية. الأهم في هذه النتائج أن الأطفال لم يتلقوا أي تعزيز أو تشجيع مباشر على السلوك ومع ذلك تعلموه وطبقوه. وبهذا، قدم باندورا دليلاً علمياً قوياً على أن التلفزيون ووسائل الإعلام المرئية يمكن أن تؤثر في سلوك الأطفال من خلال تقديم النماذج. التجربة أسهمت بشكل كبير في إثارة النقاش العلمي حول تأثير العنف التلفزيوني ودور الإعلام في التنشئة الاجتماعية للأطفال ورسخت مكانة نظرية التعلم الاجتماعي كإحدى أهم نظريات التأثير الإعلامي. ولكن رغم الشهرة الواسعة لتجربة الدمية البلاستيكية إلا أنها تعرضت لبعض الانتقادات العلمية والمنهجية، حيث رأى عدد من النقاد أن السلوك العدواني الذي أظهره الأطفال داخل التجربة قد لا يعكس تعلماً اجتماعياً مستقراً، بل استجابة ظرفية لسياق تجريبي مصطنع ومؤقت. الطفل في المختبر قد يتصرف بدافع اللعب أو الفضول أو تقليد ما يعتقد أن الباحثين يتوقعونه منه، لا بدافع اكتساب سلوك عدواني فعلي. كما انتقدت التجربة لاعتمادها على مواقف قصيرة المدى دون تتبع طويل الأثر يوضح ما إذا كان السلوك يستمر خارج المختبر في الحياة اليومية. هذه الانتقادات لم تلغِ قيمة التجربة لكنها دفعت الباحثين لاحقاً إلى تصميم دراسات أكثر تعقيداً ودقة لفهم تأثير الإعلام في سلوك الأطفال. ولذلك، تظل أهمية نظرية التعلم الاجتماعي قائمة بل هي في ازدياد حالياً في العصر الرقمي، حيث تمثل منصات التواصل الاجتماعي الآن بيئة يتعرض الأفراد من خلالها لسلوكيات وانماط حياة وقيم يقدمها المؤثرون والمشاهير. فالتعلم بالملاحظة أصبح أكثر انتشاراً وتسارعاً بفعل انتشار التفاعل بالصور والفيديو. لذلك، تستخدم النظرية اليوم لفهم تقليد سلوكيات متعددة مثل أنماط الاستهلاك وانتشار التحديات الخطرة في منصات التواصل وتشكيل الهوية وصناعة الشهرة، وتؤكد النظرية أن الإعلام هو فضاء تعلم اجتماعي واسع يؤثر في الإدراك والسلوك.