ليست الهوية ما نعلنه عن أنفسنا، بل ما يحدث بسببنا. هي الأثر الذي يسبق الشرح، والانطباع الذي يتشكّل قبل اكتمال الصورة، والاتجاه الذي تسلكه القرارات حتى حين نظن أننا نتحرك بحرية. وحين تغيب الهوية، لا يفشل المشروع فجأة، بل يتآكل بصمت، لأن التغيير لا يحتمل الفراغ طويلًا. في جوهرها، الهوية ليست تعريفًا ثابتًا، بل موقفًا فلسفيًا من العالم. هي إجابة غير منطوقة عن سؤال المعنى: لماذا نحن هنا؟ وما الذي يجعل حضورنا ضروريًا؟ وعندما ترتبط الهوية بالتغيير، فإنها تتحول من إطار تعريفي إلى قوة أخلاقية، تُعيد ترتيب الأولويات، وتفرض على صاحبها قدرًا من الصدق لا يمكن التعايش مع نقيضه طويلًا. ما تكشفه التجربة الواقعية أن المجتمعات لا تنجذب إلى من يرفع شعار التغيير، بل إلى من يجسده. فالتغيير لا يبدأ من الرغبة في التأثير، بل من القدرة على الفهم. والهوية الملهمة لا تحتاج إلى صخب، لأنها واثقة من مسارها. تمشي داخل الزمن لا خلفه، وتدرك أن العصرية الحقيقية ليست في المظهر، بل في الوعي القادر على قراءة التحولات دون أن يفقد بوصلته. في البعد الاجتماعي، تتجلى خطورة الهوية بقدر ما تتجلى قوتها. فالهوية التي لا ترى الإنسان، تتحول - مهما حسنت نواياها - إلى عبء. أما هوية التغيير، فهي تلك التي تُصغي قبل أن تتكلم، وتفهم قبل أن تُقرر، وتتعامل مع الواقع لا بوصفه مادة دعائية، بل مجالًا حيًا تتشكّل فيه القيم وتُختبر فيه الأفكار. إنها هوية تنتمي للمجتمع لا تتعالى عليه، وتتحرك من تفاصيله اليومية حيث تتكوّن القناعات الحقيقية. التجارب التي تترك أثرًا ليست تلك التي تملك أدوات أكثر، بل تلك التي تعرف لماذا تستخدم أدواتها. كم من فكرة عظيمة فقدت معناها لأنها لم تجد هوية تحميها، وكم من مبادرة محدودة الإمكانات اتسع أثرها لأن هويتها كانت واضحة بما يكفي ليؤمن بها الآخرون. الوضوح هنا ليس تبسيطًا، بل شجاعة فكرية، وقدرة على الاختيار في عالم يفضّل التشتت. الهوية، في هذا السياق، ليست عنصرًا إبداعيًا بقدر ما هي اختبار أخلاقي. اختبار للانسجام بين الخطاب والممارسة، وبين الصورة المرغوبة والحقيقة المعاشة. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تراجع التأثير، مهما بدا الخطاب لامعًا ومصقولًا. وفي زمن تتشابه فيه الأصوات وتتنافس فيه الصور، تصبح هوية التغيير فعل مقاومة هادئة. مقاومة للسطحية، وللاستهلاك السريع للمعنى، وللخلط بين الظهور والتأثير. إنها عودة واعية إلى السؤال الأول، لا هروبًا منه، لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من إعادة تعريف الذات بصدق. ومن منظور مهني تشكّل عبر العمل في مساحات الإعلام، وبناء الهويات، وإدارة الرسائل في بيئات متغيرة، يتأكد أن الهوية لم تعد خيارًا إبداعيًا يُتخذ في مرحلة متأخرة، بل قرارًا استراتيجيًا يُفترض أن يسبق كل تخطيط، وأن يوجّه كل ممارسة. فالهوية التي تُدار بعقلية الحملات تفقد أثرها سريعًا، أما الهوية التي تُبنى على فهم الإنسان، وتُصاغ بوعي بالسياق الاجتماعي، وتُدار بمنهج مهني يوازن بين الرسالة والأداة، فإنها تتحول إلى رافعة تغيير حقيقية. عندها لا تعود الهوية مجرد وسيلة تعريف، بل إطارًا لاتخاذ القرار، ومعيارًا للأداء، وضامنًا لاستدامة الأثر... حيث يلتقي الفكر بالممارسة، ويصبح التغيير نتيجة طبيعية لهوية أُنجزت بوعي، وأُديرت باحتراف، والتزمت بالمعنى قبل الشكل. م . محمود عبدالرحمن