جاء حضوري للندوة العلمية المتخصصة بعنوان «حفر الباطن في ذاكرة التاريخ السعودي»، التي أُقيمت في محافظة حفر الباطن برعاية وتشريف صاحب السمو الأمير عبدالرحمن بن عبدالله بن فيصل محافظ محافظة حفر الباطن، وتنظيم جامعة حفر الباطن بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز، انطلاقًا من اهتمام حقيقي بتاريخ المحافظة، وما تمثله من عمق تاريخي في مسيرة الدولة السعودية. وقد شكّلت الندوة فرصة لقراءة تاريخ حفر الباطن قراءة علمية تتجاوز السرد العام، وتربط بين المكان والحدث والإنسان. سلّطت الندوة الضوء على البعد التاريخي لحفر الباطن، ودورها في مراحل مفصلية من تاريخ المملكة، من خلال استعراض محطات تاريخية موثقة، وربطها بالسياق الجغرافي والاجتماعي للمنطقة، بما يعزز الوعي الوطني ويسهم في ترسيخ الهوية التاريخية لدى الأجيال. كما عكست طبيعة الطرح العلمي أهمية الانتقال من المعرفة الشفوية إلى التوثيق المنهجي، بوصفه أحد مسارات حفظ الذاكرة الوطنية. وقد شارك في الندوة نخبة من الباحثين والمفكرين المتخصصين في التاريخ السعودي، الأمر الذي أضفى على الجلسات ثراءً علميًا ملحوظًا، وأبرز مكانة حفر الباطن كحاضنة للنقاشات العلمية المرتبطة بتاريخ المناطق والذاكرة المحلية. كما قدّمت الندوة محتوى نوعيًا يخدم الباحثين والمهتمين بتاريخ المملكة عمومًا، وتاريخ حفر الباطن على وجه الخصوص، في انسجام واضح مع التوجه الوطني نحو حفظ الذاكرة التاريخية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. وفي هذا السياق، قدّم الدكتور فهد بن عبدالله السماري، مستشار الديوان الملكي وعضو مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، طرحًا يؤكد أن التوثيق لا يمكن النظر إليه بوصفه جمعًا للمعلومات فحسب، بل هو –كما وصفه– "حياة، وأسلوب، ومنهج"، وهو طرح يعكس أن التعامل مع التراث يحتاج إلى رؤية منهجية وشغف معرفي يضمن استدامة الهوية التاريخية والثقافية. كما أشار إلى ملامح قصر الملك عبدالعزيز بوصفه أحد النماذج المعمارية الدالة على قيمة التراث، مثنيًا على اهتمام جامعة حفر الباطن وطلابها وطالباتها به، ومؤكدًا دور المؤسسات التعليمية في بناء الوعي بالتراث وتحويله إلى ممارسة ثقافية حية، وتوقف كذلك عند البعد الإنساني والروحاني في تاريخ المحافظة، من خلال الإشادة بدور أهالي حفر الباطن في حفر الآبار لخدمة الحجاج، واعتبار ذلك عملًا ذا قيمة دينية واجتماعية عميقة. ومن زاوية تاريخية ميدانية، تناول الأستاذ عوض بن صالح سرور البعد التاريخي لمحافظة حفر الباطن، متحدثًا عن وادي أبو موسى وأهميته منذ عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ومشيرًا إلى ولادة عبدالله بن عامر في المنطقة، ودور بعض مواقعها كمحطات مبكرة في تاريخ المحافظة. كما استعرض عددًا من المعالم الموثقة، مثل البركة المدونة بعرض أربعين مترًا، وتناول أصل بعض التسميات المحلية، مثل: "الرقعي" وتحولها من "القيعي" ارتباطًا بالمواسم والبيئة. ولم يقتصر حديثه على السرد التاريخي، بل أشار إلى نتائج أعمال ميدانية، شملت منشآت حجرية وركامات اكتُشفت عام 1427ه، مؤكدًا أهمية توثيقها وربطها بسياق التاريخ المحلي والآثار. وتؤكد هذه الندوة أن الاهتمام بتاريخ المناطق لم يعد نشاطًا مناسباتيًا، بل مسارًا معرفيًا ضروريًا لفهم تشكّل الهوية الوطنية من خلال تفاصيلها المحلية. فحين يُنظر إلى التوثيق بوصفه منهجًا، وإلى الآثار بوصفها شواهد مادية، تتكامل الرواية التاريخية بين النص والمكان، وتبرز حفر الباطن نموذجًا لمنطقة تحمل تاريخًا فاعلًا يستحق مزيدًا من البحث العلمي والتوثيق المنهجي، حفاظًا على الذاكرة ونقلها للأجيال المقبلة بوعي ودقة.