المتابع للمشهد الأميركي منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض للفترة الرئاسية الثانية يعلم بأن إدارة ترمب أخذت على عاتقها تنفيذ المشاريع الانتخابية التي وعد بها الرئيس حتى لو تطلب الأمر تبني الأدوات والوسائل الشديدة واستخدامها لإنفاذ النظام. هذا النهج غاب لعقود طويلة من المشهد السياسي في واشنطن، حيث تختفي الوعود الانتخابية كما تختفي الأمطار الغزيرة على كثبان الرمال الشاسعة بمجرد الجلوس على المكتب البيضاوي والاستسلام لنبض واشنطن وقوة جماعات الضغط. كان ولا بد أن يواجه هذا التشدد في إنفاذ الوعود الانتخابية مقاومةً ورفضًا من قبل أتباع الحزب المقابل، والمقصود بطبيعة الحال في هذا المقام الحزب الديمقراطي؛ وذلك يعود إلى التباين الفكري وحالة الاستقطاب الحادة بين الحزبين، خصوصًا فيما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية الذي أشعل الصراع والمواجهة إلى حد خطير، وعلى مستوى رفيع تمثل في حكام الولايات وفي مقدمتهم حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز الذي نادى بشكل صريح سكان الولايات بأن لا يتعاونوا مع إدارة الهجرة. هذا التصعيد تطلب من الرئيس دونالد ترمب أن يتعاطى مع هذه الحالة في إطار منضبط ومتوازن حتى لا يتم استغلال هذه الحالة لإسقاط إدارته في وحل الفوضى الأمنية التي تعد التظاهرات من الطرق الأسهل والأخطر إليها. من أجل ذلك أصدر الرئيس دونالد ترمب بيانًا صنفه بعض المراقبين بالتاريخي، موجهًا للولايات الديمقراطية التي تصنف كأرض الملاذ للمهاجرين غير الشرعيين، وحدد فيه المسؤولية وحذر المخالفين؛ نتيجة تصاعد التوتر والصدام بين المواطنين ورجال إنفاذ القانون، ما نتج عنه مقتل مواطنين. نظراً لأهمية هذا البيان وما يتضمنه من رسائل مهمة قد تكون تمهيد لتحولات جوهرية في المشهد الأميركي، نضع بين يديكم عزيزي القارئ نص البيان بالتفصيل وهو كالتالي: "لقد أصدرتُ تعليماتي لوزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، بأنه لن نتدخل تحت أي ظرف من الظروف في أي من المدن الديمقراطية التي تُدار بشكل سيئ فيما يتعلق باحتجاجاتها أو أعمال الشغب فيها، إلا إذا طلبت هي منا المساعدة. ومع ذلك، سنحرس، وبقوة بالغة، جميع المباني الفيدرالية التي تتعرض للهجوم من قبل هؤلاء المجانين والمحرضين والمتمردين الذين يتقاضون رواتب عالية مقابل تنفيذ تلك الأعمال المشينة. يُرجى العلم أنني أصدرتُ تعليماتي لهيئة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود بأن تكون حازمة للغاية في حماية ممتلكات الحكومة الفيدرالية. لن يُسمح بالبصق في وجوه ضباطنا، ولن يُسمح بضرب أو ركل مصابيح سياراتنا الأمامية، ولن يُسمح برمي الحجارة أو الطوب على مركباتنا أو على جنودنا الوطنيين. إذا حدث ذلك، فسيتعرض هؤلاء الأشخاص لعقاب مماثل، أو أشد". في هذه الأثناء، وبموجب هذا البيان، أُبلغ الحكومات المحلية، كما فعلتُ في لوس أنجلوس عندما اندلعت أعمال الشغب في نهاية ولاية بايدن، بضرورة حماية ممتلكات الولاية والممتلكات المحلية. إضافةً إلى ذلك، يقع على عاتقكم حماية الممتلكات الفيدرالية والمباني والحدائق وكل ما هو تابع لها. دورنا في حماية الممتلكات الفيدرالية هو الدعم فقط، إذ تقع هذه المسؤولية على عاتق السلطات المحلية والولائية. الليلة الماضية في يوجين، أوريغون، اقتحم هؤلاء المجرمون مبنىً فيدراليًا، وألحقوا به أضرارًا جسيمة، كما روّعوا الموظفين المجتهدين وضايقوهم. لم تُحرّك الشرطة المحلية ساكنًا لوقف ذلك. لن نسمح بتكرار هذا الأمر، إذا لم تتمكن الحكومات المحلية من التعامل مع المتمردين والمحرضين والفوضويين، فسنتوجه فوراً إلى الموقع الذي يُطلب فيه هذا النوع من المساعدة، وسنتعامل مع الموقف بسهولة ومنهجية، تماماً كما فعلنا في أعمال الشغب في لوس أنجلوس قبل عام، حيث قال قائد الشرطة: "لم نكن لنستطيع فعل ذلك بدون مساعدة الحكومة الفيدرالية". لذا، إلى جميع الحكومات المحلية، والمحافظين، ورؤساء البلديات الذين يشتكون، أخبرونا عندما تكونون مستعدين، وسنكون حاضرين. ولكن قبل ذلك، نرجو منكم التفضل بالحضور. تذكروا أنني حذرتكم بأشد العبارات، فجهاز الهجرة والجمارك، ودوريات الحدود، أو جيشنا إذا لزم الأمر، سيكونون في غاية القوة والحزم في حماية ممتلكاتنا الفيدرالية. لن نسمح بإلحاق أي ضرر بمحاكمنا، أو مبانينا الفيدرالية، أو أي شيء آخر تحت حمايتنا، بأي شكل من الأشكال. لقد انتُخبتُ على أساس سياسة مراقبة الحدود التي أصبحت الآن في أفضل حالاتها، والأمن القومي، وسيادة القانون والنظام. هذا ما تريده أميركا، وهذا ما ستحصل عليه! شكرًا لكم على اهتمامكم بهذا الأمر". هذا البيان بدون شك خارطة طريق حُددت فيه المسؤليات والواجبات في مرحلة من عمر الولاياتالمتحدة الأميركية التي ظلت لعقود طويلة تحت وطأة المعسكر السياسي القديم الذي قدم التوافق والمصالحة الشخصية على الدستور والقانون الذي وضعه الآباء المؤسسون لحماية مكونات الولاياتالمتحدة الأميركية ومؤسساتها. تحليل - عزام المشعل