لم يكن المأذون الشرعي، في السياق الاجتماعي للمجتمع السعودي، مجرد موثّق لعقد أو شاهد على توقيع، بل شكّل عبر عقود طويلة حضوراً إنسانياً واجتماعياً يتجاوز الإجراء إلى احتواء اللحظة ذاتها، ففي مجلس عقد النكاح حيث تختلط مشاعر الفرح بالرهبة، وتتقاطع توقعات الأسر مع حساسية القرار، وتتشكل مساحة دقيقة تحتاج إلى حكمة وتوازن، لا إلى نصوص جامدة فقط، وفي هذه المساحة، يبرز دور المأذون كوسيط طمأنينة، يقرأ ما بين السطور، ويضبط إيقاع المجلس. وتحدث سعيد السعيد -مأذون الأنكحة- عن تجربته الطويلة بوصفها رحلة في فهم الإنسان قبل العقد، والمجلس قبل التوثيق، قائلاً: إن المأذون لا يدخل مجلس النكاح محايداً فحسب، بل واعياً بحساسية اللحظة، ومدركاً أن ما يُكتب في العقد لا يقل أهمية عما يُحتوى في النفوس، مضيفاً أن دور المأذون الحقيقي يبدأ منذ لحظة دخوله المجلس؛ في ملاحظة لغة الجسد، ونبرة الصوت، وتردد الإجابات، وصمت العروس أو تحفظ الولي. ويستعيد السعيد سنوات عمله الأولى، حين كان المأذون يصل إلى المجلس حاملاً دفتره الورقي وأقلامه، في وقت كانت فيه التفاصيل تُدار بالحوار والثقة المباشرة، مشيراً إلى أن خبرته الحقيقية لم تكن مدونة في الصفحات، بل تشكّلت من مئات المجالس التي علّمته أن كلمة تُقال في وقتها، أو وقفة قصيرة، أو نصيحة جانبية خارج الإطار الرسمي، قد تغيّر مسار عقد كامل، تلك التفاصيل غير المكتوبة، كما يصفها، شكّلت جوهر الدور الإصلاحي للمأذون، حيث يسبق احتواء الخلاف توثيق العقد، وتُقدَّم الحكمة على الاستعجال. وأكد السعيد على أن التقنية لم تُلغِ الدور الإنساني، بل أعادت توجيهه، فتوثيق العقد اليوم يتم عبر نظام إلكتروني موحد، يضبط البيانات ويمنع التلاعب، ما منح المأذون مساحة أوسع للقيام بدوره الاجتماعي داخل المجلس، ذاكراً أن المأذون المعاصر مطالب بأن يجمع بين المعرفة الشرعية، والالتزام النظامي، والوعي الاجتماعي. حين يُختبر التوازن واستحضر السعيد مواقف بقيت عالقة في ذاكرته لما حملته من إنسانية وتكافل، ومن بينها قصة مجلس عقد نكاح لشاب بدا منذ اللحظة الأولى هادئاً، وديعاً، وهي ملامح يلتقطها المأذون سريعاً بحكم الخبرة، كان الشاب محاطاً بأقاربه وأصدقائه، فيما كان والد العروس متوفى، وهو تفصيل يفرض على المأذون حساسية إضافية واستحضاراً دقيقاً لمسؤولية حماية حق الفتاة، وقبل البدء بإجراءات العقد، سأل السعيد عن الصداق، فأوضح العريس أن الاتفاق يقضي بدفع عشرين ألف ريال مقدماً، على أن يُستكمل باقي المهر بعد شهر، عندها تدخل أحد كبار السن من أقارب العروس بنبرة حادة، معترضاً على الاتفاق، ومؤكداً أن الفتاة يتيمة ولا يجوز تأجيل حقها، ارتفع الصوت، وتصاعد التوتر، فيما لزم العريس الصمت، فتدخل بهدوء، مؤكداً احترامه لكبير السن وحرصه على مصلحة العروس، موضحاً أن الاتفاق قائم بين العريس ووكيل الفتاة شقيقها، إلاّ أن الاعتراض استمر مع التهديد بمغادرة المجلس. وأدرك السعيد أن الجدل داخل المجلس لن يقود إلى حل، فاستأذن بالخروج مع شقيق العروس لسماع رأيها مباشرة، فجاء ردها أن هذا القريب اعتاد التدخل وإثارة الخلافات داخل الأسرة، عندها تبيّن أن المسألة أعمق من مبلغ مهر، وأن خلفها تاريخاً من التوترات العائلية، فعاد إلى المجلس، ونقل موقف العروس بوضوح، إلاّ أن الاعتراض لم يتوقف، فخاطب كبير السن بحكمة: "إن بقيت فأنت بركة للمجلس، وإن غادرت فدعاؤك لهم بالتوفيق لا يقل قدراً"، بعد لحظات، جاء الخبر الذي غيّر مسار المجلس، فقد تفازع أصدقاء العريس وبعض أقاربه، وجمعوا المبلغ كاملاً، وحُوّل إلى حساب العروس قبل إتمام العقد. وذكر السعيد أن عقد النكاح لم يعد مجرد مجلس تقليدي، بل إجراء شرعي ونظامي دقيق تحكمه منصة إلكترونية واحدة، فكل عقد لا يمر عبر منصة ناجز لا يُعد عقداً نظامياً مهما اكتملت أركانه شكلياً، مختتماً بالتأكيد على أن التقنية لم تُلغِ البعد الإنساني، بل زادت من مسؤوليته. سعيد السعيد