ثَمّة أفعال تكتفي بالمجاورة، وأخرى تأخذ طريقها إلى النفاذ لتترك أثرًا. ومن هذا الفارق الدقيق تتحدد دلالة لفظ (المسّ) في القرآن الكريم، بوصفه فعلًا يُحدث إصابة وتأثيرًا. فالمتأمل في موارد المسّ في القرآن يلحظ أن اللفظ لا يُستعمل عندما يكون الفعل عابرًا أو سطحيًا، وإنما يأتي واصفا حالة نفاذ للحدث إلى النفس أو الحال أو الحكم. قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا) يونس: 12، وقال جل في علاه: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا) المعارج: 20. فالضرّ والشرّ لا يُدركان باليد، ولا يُوصَفان بالمجاورة، ومع ذلك عبّر عنهما بالمسّ؛ لأنهما يصلان إلى الداخل، فيغيّران المزاج، ويعيدان تشكيل السلوك، وعليه تنكشف هشاشة الإنسان عندما يُصاب في عمقه لا في ظاهره. ويتسع هذا المعنى حين يرد المسّ في سياق الابتلاء العام، بوصفه حالة تُربك الكيان الإنساني، كما في قوله تعالى :(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ) الأنبياء: 46، فعبر عن النفحة هنا – مع خفّتها اللفظية – بالمسّ، لأنها تصيب موضع الإحساس وتوقظ الإدراك، ولو كانت أدنى العذاب. فالمسّ يقيس الأثر وليس الكمّ. ويُستعمل اللفظ كذلك في سياق البأساء والضرّاء، واصفا حالة امتحان شاملة للحال الإنسانية بعيداً عن كونه إصابة جسدية محضة فقط: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّه) سورة البقرة:214، فالمسّ هنا علامة بلوغ الابتلاء حدّه المؤثّر، لا مجرد مروره العابر في حياة الأمم. ويبلغ التعبير ذروته الدلالية حين يُسنَد المسّ إلى الشيطان، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا) الأعراف: 201، وقوله: (لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة: 275. فالطائف الشيطاني لا يُرى، ولا يُلمس، ولا يُدرَك بالحواس، ومع ذلك وُصف فعله بالمسّ؛ لأنه ينفذ إلى الوعي، ويُحدِث اضطرابًا في التوازن العقلي والنفسي، فتظهر آثاره في السلوك والاختيار. وهنا تتجلّى دقة اللفظ القرآني: فلو كان المقصود مجرد اقتراب أو مجاورة أو وسوسة عابرة، لما استُخدم المسّ. ويمتد هذا النسق الدلالي إلى سياق العلاقة الإنسانية، حيث يَرِد المسّ كناية عن تحقّق الاتصال الذي تترتب عليه آثار وجودية وشرعية، كما في قول الله عز وجل على لسان مريم عليها السلام: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيا) مريم: 20، وفي موضع آخر: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) آل عمران: 47 . فالمقصود هنا ليس نفي اللمس الحسي، وإنما نفي تحقّق العلاقة التامة التي تنشأ عنها آثار الخلق. وفي السياق ذاته، يَرِد المسّ في آيات الطلاق، بوصفه الحدّ الفاصل بين حالين شرعيين: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) البقرة: 236، (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) البقرة: 237. فلو كان المراد مجرد لمس، لتبدّلت الأحكام بأدنى تماس، لكن التعبير بالمسّ يدل على تحقّق الفعل الذي ينفذ أثره إلى البنية الشرعية للعلاقة، فيغيّر الحكم ويؤسس تبعاته. وفي مقابل سياقات الشدة والاضطراب، يَرِد المسّ أيضًا في سياق الخير والرحمة، لا بوصفها نعمة سطحية، بل تحولًا يمسّ السلوك الإنساني: (وإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) المعارج: 21، وقوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) يونس: 21. فالخير هنا لا "يقع" على الإنسان، بل يمسّه، أي يدخل في نسيجه النفسي ويكشف طبعه، كما كشفه الضرّ من قبل. وعلى امتداد هذا التتبع، يتضح أن المسّ في القرآن لا يصف حركةً، بقدر ما يصور نتيجة، ويحدث أثرًا، يتعلّق بالكيان أكثر مما يتعلّق بالظاهر. فهو لفظ يُستعمل حين يبلغ الفعل موضع الإحساس، ويُحدث خلخلة أو تحولًا، سواء أكان ذلك في النفس، أو الوعي، أو السلوك، أو الحكم الشرعي. في المقابل، يظل اللمس فعل مجاورة؛ يثبت وجود الشيء دون أن يحدث تحوّلًا. ومن ثمّ، نجد أن الفارق بين اللمس والمسّ فارق طبيعة، وليس فارق درجة تأثير. ومن هذا الأفق الدلالي، تبرز أسئلة أعمق حين يَرِد لفظ المسّ في سياق القرآن ذاته، كما في قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) الواقعة: 79، وهنا لا يعود السؤال: من يلمس؟ بل السؤال: من يملك قابلية النفاذ والاختراق؟ سنقرأ في العدد القادم لفظ المسّ في سياق آية الواقعة ونتابع علاقته بالروح والوعي، وليس باليد فقط.