تواصل هيئة الأدب والنشر والترجمة تنفيذ سلسلة من مهرجانات القراءة في عدد من مناطق ومدن المملكة، ضمن حراك ثقافي متنامٍ، يستهدف مختلف شرائح المجتمع، ويعيد للكتاب حضوره في الفضاء العام، باعتباره فعلًا يوميًا لا ترفًا نخبويًا، في إطار رؤيتها لترسيخ القراءة بوصفها ركيزة للوعي الثقافي وبوابة رئيسة لبناء مجتمع المعرفة. مشروع وطني تأتي مهرجانات القراءة كأحد المسارات التنفيذية للإستراتيجية الوطنية للثقافة، حيث تعمل الهيئة على نقل الكتاب من رفوف المكتبات المغلقة إلى الساحات المفتوحة، والحدائق العامة، والمراكز الثقافية، في محاولة واعية لربط القراءة بالحياة اليومية، وتعزيز علاقتها بالأسرة والطفل والشباب، بعيدًا عن النمط التقليدي للفعاليات الثقافية. وتحرص الهيئة، من خلال هذه المهرجانات، على تقديم نموذج ثقافي شامل يجمع بين القراءة والمعرفة والترفيه الثقافي، عبر برامج متنوعة تشمل جلسات قراءة تفاعلية، وورش كتابة، ولقاءات مع مؤلفين، وعروضًا مسرحية وسردية مستوحاة من النصوص الأدبية، إلى جانب أركان مخصصة للأطفال والناشئة، تهدف إلى غرس حب الكتاب منذ سن باكرة. امتداد جغرافي وتتميز مهرجانات القراءة بانتشارها الجغرافي، حيث لا تقتصر على المدن الكبرى، بل تمتد إلى مختلف مناطق المملكة، في تأكيد عملي على مفهوم العدالة الثقافية وإتاحة الوصول إلى المعرفة بوصفها حقًا للجميع. هذا الامتداد يعكس توجه الهيئة إلى خلق حراك قرائي متوازن، يراعي الخصوصيات الثقافية لكل منطقة، ويستثمر طاقاتها المحلية من كتّاب ومثقفين ومبادرات تطوعية. فضاء مفتوح وقد احتضنت محافظة الطائف مؤخراً أحد هذه المهرجانات، في مشهد ثقافي ينسجم مع المكان وتاريخه الأدبي وثرائه الطبيعي، الذي اختتم قبل أيام، وقدم المهرجان برامج متنوعة تستهدف العائلات، والطلاب، والمثقفين، في أجواء تفاعلية تجمع بين المتعة والمعرفة، وتؤكد أن القراءة يمكن أن تكون تجربة حية ومشتركة، لا نشاطًا فرديًا معزولًا. ويحمل اختيار الطائف دلالات رمزية وثقافية، إذ تعد المدينة إحدى الحواضن التاريخية للأدب والشعر، عبر تاريخها العريق، واحتضانها لمهرجان سوق عكاظ التاريخ، الذي عرف منذ العهد الجاهلي، إلى عهد صدر الإسلام، ثم تم إحياؤه في العهد السعودي الزاهر خلال العقدين الماضيين. ما يمنح الطائف بعدًا إضافيًا يربط بين الإرث الثقافي المحلي والرؤية الثقافية الوطنية الحديثة. قارئ المستقبل ولا تقتصر أهداف مهرجانات القراءة على الترويج الآني للكتاب، بل تتجاوز ذلك إلى صناعة قارئ المستقبل، من خلال برامج مستدامة تعزز المهارات القرائية، وتفتح آفاق الإبداع والتفكير النقدي، وتسهم في دعم قطاع النشر المحلي، وإبراز المؤلف السعودي، وربط القارئ بالإنتاج المعرفي الوطني والعالمي. كما تمثل هذه المهرجانات منصة للتكامل بين الجهات الثقافية والتعليمية، ومبادرات المجتمع المدني، في مشهد يعكس نضج الحراك الثقافي السعودي، وقدرته على تحويل القراءة إلى ممارسة مجتمعية واسعة الأثر. أسلوب حياة تؤكد هيئة الأدب والنشر والترجمة، من خلال هذه المهرجانات، أن القراءة ليست فعالية موسمية، بل أسلوب حياة وجزء أصيل من مشروع التنمية الثقافية الشاملة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت الثقافة والمعرفة عنصرين أساسيين في بناء الإنسان وتعزيز جودة الحياة. وبين مدينة وأخرى، يظل مهرجان القراءة رسالة مفتوحة مفادها أن الكتاب ما زال قادرًا على جمع الناس، وفتح الأسئلة، وبناء الجسور بين الأجيال، في زمن تتسارع فيه التحولات، وتبقى فيه القراءة الملاذ الأكثر أمانًا لصناعة الوعي.