اعتدنا أن نربط الأدب بالكسور، وأن نفترض أن الكاتب لا يكتب إلا حين يتألم، وأن النص لا يولد إلا من نقصٍ ما. كأن الامتلاء حالة صامتة، لا لغة لها، ولا حاجة لأن تُقال. لكن ماذا عن الذين يكتبون وهم بخير؟ عن شرعية الكتابة من الامتلاء، من الرضا النسبي، من السلام الداخلي، من حياة لا تنزف. هل يحق لهم أن يكتبوا؟ وهل يمكن للأدب أن يولد دون جرحٍ واضح؟ الثقافة الأدبية كرّست صورة الكاتب المعذّب، وكأن الألم شهادة دخول إلى عالم الكلمة، وكل نص لا يحمل ندبة يُنظر إليه بشكّ: سهل، بارد، غير حقيقي. مع أن الامتلاء، في ذاته، تجربة إنسانية نادرة، وربما أعمق مما نظن. الامتلاء ليس نقيض العمق، أحيانًا هو نتيجته. نتيجة مصالحة طويلة مع الذات، وتفاهم هادئ مع الحياة، وعيٍ لا يحتاج إلى الصراخ ليُثبت وجوده. وما يؤكد ذلك أن المشهد الأدبي المعاصر شهد نجاحات لافتة، لنصوص وكتابات ابتعدت عن الحزن بوصفه مادة أساسية، واتجهت إلى الحلم، والخيال، والفنتازيا، وبناء العوالم. كتب لم تَعِد القارئ بالبكاء، بل بالدهشة، ولم تفتح جراحه، بل فتحت له أبوابًا أخرى للرؤية. هذه النصوص لم تُتَّهَم بالسطحية، بل حققت صدى واسعًا، وانتشارًا حقيقيًا، ومكاسب أدبية وثقافية، لأنها قدّمت للقارئ ما يحتاجه أحيانًا أكثر من الألم: الانفصال المؤقت عن الواقع، وإمكانية تخيّل حياة أوسع، وأخفّ، وأقل قسوة، حياة رحبة، مليئة بالفرح والترقّب. الكاتب الممتلئ لا يكتب ليُفرغ شيئًا، بل ليُشارك فائضًا. لا يبحث عن خلاص، ولا يصرخ، بل يتأمل، ويراقب، ويصغي. وهذا النوع من الأدب لا يُدهش سريعًا، ولا يوجع، لكنه يُهدّئ. وفي زمن الضجيج، التهدئة فعل مقاومة. ليست كل كتابة اعترافًا، ولا كل نص صرخة. هناك أدب يُشبه التنفّس المنتظم، لا ننتبه له لأنه لا يؤلمنا، لكنه يمنحنا الاستمرار. أدب لا يسأل: لماذا حدث هذا لي؟ بل يسأل: كيف يمكن للعالم أن يكون أوسع مما نراه؟ وربما آن الأوان أن نكفّ عن تمجيد الألم بوصفه شرطًا للإبداع، وأن نمنح الخيال حقه، والحلم شرعيته، والفرح مساحته في النص. فبعض الأدب لا يأتي من الجرح، بل من القدرة على تخيّل عالمٍ أقل قسوة، وأكثر رحمة، وأشد إنسانية. وهذا، في حد ذاته، شكلٌ ناضج من العمق.