استضافت سبتية الجريفة بمركز الجريفة في محافظة شقراء محاضرة علمية نوعية بعنوان «المذكرات الشخصية السعودية وغفلة الباحثين»، قدّمها معالي الدكتور فهد بن عبد الله السماري، المستشار بالديوان الملكي، وسط حضور لافت من الباحثين والمهتمين بالشأن التاريخي والثقافي. وأدار المحاضرة الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري، الذي قدّم قراءة تحليلية في أهمية المذكرات الشخصية بوصفها مصدرًا مكملًا للتاريخ الوطني، مسلطًا الضوء على إشكالات التوثيق، وحدود المنهجية العلمية التقليدية، وأهمية الوعي البحثي في التعامل مع هذا النوع من المصادر. وخلال حديثه، أوضح الدكتور فهد السماري أن اختياره لموضوع المذكرات نابع من ارتباطه بتجارب شخصية ومهنية عاشها خلال مسيرته العلمية والإدارية، مشيرًا إلى علاقته بالدكتور حمد الربيع، التي كان لها أثر بالغ في تشكيل وعيه العلمي. كما استعاد بداياته العملية في دارة الملك عبد العزيز، وما واجهه آنذاك من تحديات، مؤكدًا أن البيئة العلمية هناك شكّلت رافعة معرفية مهمة لمسيرته. وأكد الدكتور السماري أن العمل على المذكرات ليس مهمة سهلة، لا سيما عندما تكون لشخص متوفى، حيث يتحمل الباحث مسؤولية مزدوجة تتمثل في إخراج النص للناس، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والأسرية. وانتقد في هذا السياق النظرة التقليدية للمنهج العلمي التي تنشغل ب«الصورة الكبرى» وتُغفل التفاصيل الصغيرة، معتبرًا أن المذكرات تمتلك قيمة معرفية عالية لأنها تكشف التجارب الإنسانية والقرارات والسياقات التي لا تظهر في الوثائق الرسمية. وشهدت المحاضرة تفاعلًا واسعًا من الحضور، الذين ناقشوا أهمية تدوين المذكرات، وضرورة إتاحتها للباحثين، ودورها في سد الفجوات التاريخية وتوثيق التجارب الوطنية. وفي مداخلة علمية، أشار الدكتور محمد الربيّع إلى ندرة كتابة المذكرات في المملكة، رغم مشاركة كثير من الشخصيات في أحداث مفصلية، مستشهدًا بمواقف لرموز بارزة رفضت تدوين تجاربها، من بينهم الدكتور غازي القصيبي، الذي عبّر عن قناعة بأن الأعمال تُنجز في وقتها ولا حاجة لتدوينها لاحقًا. وناقش الربيّع إشكالية الهدف من كتابة المذكرات: هل هي للنشر العام أم للاستخدام العائلي؟ وهو ما أدى في حالات كثيرة إلى حجبها عن الباحثين. كما تناول الفارق بين المذكرات اليومية التي تُكتب في لحظة الحدث، وتلك التي تُدوّن في أواخر العمر، وما يترتب على ذلك من تأثير على دقة السرد وموضوعيته. من جانبه، أكد الدكتور محمد المشوح أهمية المذكرات في توثيق التاريخ المحلي، معتبرًا معالي الدكتور فهد من أبرز المصادر الموثوقة في هذا المجال. واستعرض تجربة شخصية في قراءة مذكرات قديمة تناولت رحلات الملك عبد العزيز وأحداث الحج، مشددًا على أن المذكرات اليومية الحية أكثر مصداقية من السير التي تُكتب بعد سنوات طويلة، بسبب تأثير النسيان والتحفظ. كما تطرق إلى حساسية نشر المذكرات، وما قد تحمله من آراء أو مواقف تُثير تحفظ أصحابها أو ورثتهم. وفي السياق ذاته، شدد الدكتور إبراهيم السماري على أن التعامل مع التاريخ الشفهي يتطلب توازنًا واعيًا، يحفظ الرواية دون أن يُفرغها من روحها أو يحوّل جهات التوثيق إلى محققين. وأشار إلى إشكالية شائعة في هذا الحقل، تتمثل في تحول الراوي إلى بطل داخل حكايته، مؤكدًا أن المساحات الرمادية بين الذاكرة والحدث تحتاج إلى قراءة نقدية متزنة. أما الدكتور عثمان المنيع، فقد ركّز على توقيت نشر المذكرات، مبينًا أن نشرها في حياة أصحابها، خصوصًا من شغلوا مناصب مهمة، يتيح فرصة للتوضيح والرد، ويمنح النص دقة أكبر مقارنة بنشرها بعد الوفاة، حيث تصبح عملية التعامل مع محتواها أكثر تعقيدًا. وتناول الدكتور أحمد الأسود مسألة موضوعية المذكرات الشخصية، متسائلًا عن مدى موثوقيتها كمصدر تاريخي، مؤكدًا أن كاتب السيرة الذاتية لا يستطيع التخلص كليًا من تحيزاته، بحكم الطبيعة البشرية التي تميل إلى الانتقاء وتخفيف النقد الذاتي. من جانبه، أكد الأستاذ عوضة الدوسي أن المذكرات لا تؤدي دورها المعرفي ما لم تُقدَّم بلغة حية تصل إلى المتلقي، مشيرًا إلى مفهوم «النشر المحسّن» الذي يفتح آفاقًا واسعة للتحليل والمقارنة، ويحوّل التفاصيل الاجتماعية والتجارب الشخصية إلى مادة علمية رصينة. وفي ختام المداخلات، دعا الدكتور خالد العثمان إلى ضرورة استكتاب الشخصيات الحيّة التي تولّت مناصب رفيعة وشهدت أحداثًا مفصلية في تاريخ المملكة، مشيرًا إلى أن تأخير التوثيق قد يؤدي إلى فقدان إرث معرفي مهم. وأعرب عن أمله في أن تبادر دارة الملك عبد العزيز إلى تبنّي هذا المسار، لضمان حفظ هذه التجارب قبل فوات الأوان. منصة النقاش خلال محاضرة المذكرات الشخصية