قطاع المطاعم والمقاهي لم يعد يتعامل مع عميل كلاسيكي كما في السابق، وإنما عميل صفري بلا ولاءات لعلامات تجارية معينة، وغالبية مستهلكيه من هذه النوعية، وبما يزيد على 50 % في المتوسط، وهم من جيلي زد والألفية، وهؤلاء أصحاب أمزجة وذائقة متقلبة، وتفضيلاتهم تتغير بشكل سريع وغير متوقع، ومن لا يجيد التعامل معهم سيسقط خلال فترة قصيرة.. قيمة قطاع المطاعم والمقاهي في المملكة وصلت بحسب أرقام 2024 إلى 88 مليار ريال، أو نحو 23 مليارا و467 مليون دولار، ويرجح المختصون انها ستصل إلى 108 مليارات ريال، أو قرابة 28 مليارا و800 مليون دولار في 2030، والإحصاءات السابقة نشرت في العام الجاري، وفيها تفاؤل كبير بمستقبل هذا السوق، وطبقا لتقرير شركة جاهز عن اتجاهات السوق الخليجية، فقد تصدرت المملكة السوق الخليجي، وجاءت بعدها الكويت بما قيمته 20 مليار ريال، أو خمسة مليارات و334 مليون دولار، وشغلت البحرين المرتبة الثالثة ب15 مليار ريال، أو أربعة مليارات دولار. زيادة على ما سبق، وبحسب مركز برنامج جود الحياة السعودي، هناك 3,6 مطعم لكل ألف نسمة في الأراضي السعودية، وهو معدل معقول ولكنه ليس مثالياً، ولعل الأعجب انه ورغم كل ما تقدم توجد موجة إغلاق للمطاعم والمقاهي، بدأت عام 2023 وما زالت مستمرة حتى اليوم، واستهدفت المطاعم والمقاهي الصغيرة وحديثة الإنشاء، والأعجب انها لم تؤثر على المشهد أو تؤدي إلى تراجع قيمة القطاع السوقية، ولو أن نسبة النمو ومعدل الوفرة لكل ألف شخص يشيران إلى أنه لا يسير بالشكل المطلوب. فقد وجدت دراسة أجرتها غرفة الرياض ونشرت عام 2024 أن ثلاثة من أصل كل عشرة مطاعم تغلق أبوابها وتخرج من السوق السعودي نهائياً في أول عامين على تأسيسها، وهذا ليس سهلاً بالمعنى التجاري، لأنه يعني أن 30 % من مشروعات المطاعم تفشل، وبالأخص في مدينة الرياض، ويعود السابق إلى مسألتي النظافة والجودة، ومعهما الخبرة المحدودة لمن يعلمون في هذا النشاط، ممن يستعجلون الربح السريع، ويقومون بمخاطرات غير محسوبة، تؤدي لتكدسهم في شوارع معينة وترك غيرها، بالإضافة لإهمال تسويق أنشطتهم بطريقة احترافية، وفي رأي خبراء التسويق فإن صرف 10 % من الإيرادات على تسويقها يرفع من حجم المبيعات بمقدار 25%، وأسوق مثالا أعجبني لخبير في قطاع المطاعم والمقاهي، شبه فيه التسويق بشجرة البامبو، التي لا تثمر بذورها وتخرج إلى السطح إلا بعد خمسة أعوام، لأنها تبدأ أولا بتثبيت جذورها في أعماق الأرض، وبعد ذلك ترتفع بمعدل 90 سنتمتراً في اليوم الواحد، حتى يصل طولها إلى 40 متراً، وفي اعتقاده، المطاعم والمقاهي المغلقة في معظمها لم تكن قابلة للحياة أصلاً، أو ناضجة بدرجة كافية، واستعجلت الأرباح، ومخالفات البلدية عليها سرعت في إخراجها لا أكثر. الأمر الآخر -الذي يفترض أن تهتم به الأجهزة المسؤولة عن القطاع، وتحديداً وزارة البلديات وشركة إجادة المرتبطة بها، ووزارة التجارة وهيئة الغذاء والدواء- هو ألا تساوي بين المستثمرين الكبار والصغار في تطبيق الأنظمة والمخالفات، لأن الإمكانات المالية متفاوتة بينهما، والأفضل إقرار حد أدنى وأعلى للأسعار في هذه الأنشطة، وبما لا يتعارض مع فكرة الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة، لأن كبار التجار يستغلونها في إخراج منافسيهم الجدد، ولو كلفهم السابق الخسارة لعام أو عامين، أو ربما لا يحتاجون لهذا، لأن مبيعاتهم عالية وهامش الربح البسيط يكفيهم، بينما المطاعم الصغيرة لا يمكنها القيام بذلك، وفي 2023 اشتعلت حرب أسعار بين مطاعم البرغر في المملكة، نتج عنها إخراج مجموعة مطاعم ناشئة من السوق. والمسألة لا تتوقف عند ما تم الكلام عنه، لأن قطاع المطاعم والمقاهي لم يعد يتعامل مع عميل كلاسيكي كما في السابق، وإنما عميل صفري بلا ولاءات لعلامات تجارية معينة، وغالبية مستهلكيه من هذه النوعية، وبما يزيد على 50 % في المتوسط، وهم من جيل زد ممن تتراوح أعمارهم ما بين 11 عاماً و27 عاماً، وجيل الألفية الأكبر سناً، وأعمارهم من 27 إلى 43 عاما، وهؤلاء أصحاب أمزجة وذائقة متقلبة، وتفضيلاتهم الاستهلاكية تتغير بشكل سريع وغير متوقع، ومن لا يجيد التعامل معهم، سيسقط خلال فترة قصيرة. قيمة قطاع المطاعم في أميركا تتجاوز15 ترليون دولار سنوياً، ويعمل فيه قرابة 16 مليون شخص من الجنسين، ولديه مشكلات كثيرة، في الوقت الحالي، ومن أمثلتها؛ أن 60 % من مطاعمه تغلق في العام الأول، و80 % في أول خمسة أعوام، وبالتالي فالمشكلة يونيفرسال وليست محلية، واذا كان هناك مطاعم برغر معروفة أغلقت تماماً بكامل فروعها في المملكة، بسبب حدوث حالة وفاة وتسمم لخمسة أشخاص، نتيجة عدم التزامها باشتراطات السلامة والجودة، بعد عمل متواصل لمدة 12 عاما، بدأته في 2013، توجد في المقابل مطاعم برغر سعودية اجتازت الحدود المحلية ولديها 360 فرعاً في الخليج ومصر وبنغلاديش، وتعمل منذ 1981 أو قبل 45 عاما، ولم تسجل عليها ملاحظات مهمة.. وفي فبراير من هذا العام تم إغلاق أكثر من أربعين مطعما في رومانيا لقلة النظافة والتلاعب بالأوزان والأسعار، وبينها علامات تجارية عالمية، والقضية لا تحتمل البكائيات والتهويل، ومن أخطأ أو أهمل عليه أن يتحمل نتائج أفعاله.