ليست المسألة أن تهرب من التعب عبر المزيد من الإلهاء، بل أن تواجه الإرهاق بالهدوء، وتُقابل الفوضى بالفراغ، وتستبدل التخمة بالاقتصاد.. في هذا الانعطاف الهادئ تتشكّل بداية جديدة، لا تقوم على الضجيج؛ بل على الصمت الذي يُصلح، وعلى البساطة التي تُعيد للإنسان قدرته على أن يفرح دون أن ينهك، وأن يعيش دون أن يذوب في التيار.. في لحظةٍ لا ينتبه لها الإنسان يكتشف أن ما كان يفرحه بالأمس لم يعد يشعل فيه الدفء ذاته، وأن البساطة التي كانت تكفيه صارت ثقيلة، والمتعة التي كانت تُضحكه أصبحت سريعة الانطفاء. ليس لأن الحياة تغيّرت وحدها، بل لأن كيمياء الداخل تبدّلت دون إذن، فالعقل مثل حقلٍ أُكثر فيه الرشّ حتى فقد توازنه، وصار يطلب المزيد ليحصل على أثرٍ أقل. وهنا تبدأ الحكاية الصامتة للإنهاك، حين تركض خلف الإحساس فلا تمسكه، وتطلب النشوة فلا تأتي، وتظن أنك كسول، وأنت في الحقيقة مُستنزف. تتسلل العلامات بهدوء، لا تطرق الباب بعنف، بل تهمس في التفاصيل اليومية. تجد نفسك عاجزًا عن إنجاز فعلٍ واحد بلا مرافقة شاشة، تفتح هاتفك قبل أن تفتح عينيك، وتتناول طعامك والنظر سجين نافذةٍ مضيئة، وتدخل مكان خلوتك محاطًا بضياءٍ اصطناعي لا يُطفأ. الصمت يصبح ثقيلاً، والوحدة مزعجة، والتركيز مكسورًا كزجاجٍ رقيق. تحاول التفكير، فإذا بأفكارك تتزاحم بلا نظام، كأنها تدافع للخروج من بابٍ ضيّق، فلا يخرج منها شيءٌ واضح، ويغلب عليك تعبٌ لا تفسّره عضلات الجسد، بل إنهاك الحواس. ثم يأتي ذلك الخمول الغريب، الذي لا علاقة له بقلة الجهد، ولا بسهر، ولا بمرضٍ ظاهر. تستيقظ متعبًا، وتغفو متعبًا، وتجلس طويلًا دون أن تُنفق من طاقتك شيئًا يُذكر، ومع ذلك تشعر أنك استُهلكت. هذا الإرهاق الخفي هو ثمن التدفق المستمر، ضريبة الامتلاء الذي لا يترك لك مساحة فارغة لتتنفس فيها روحك، ولا ممرًا هادئًا تعبر منه أفكارك. عند هذا المفترق تحديدًا، يصبح الملل دواءً لا عقوبة. نعم، ذلك الإحساس الذي تهرب منه عادة هو في هذا السياق علاج، هو المنطقة المعقّمة التي يُعاد فيها ترتيب الداخل. حين يبلغ الضيق ذروته، يبدأ العقل في البحث تلقائيًا عن تصريفٍ مختلف، عن فعلٍ بسيط لا يلمع، ولا يصرخ، ولا يطلب جمهورًا. فجأة قد ترى ترتيب غرفتك أمرًا ممتعًا، أو تمسك كتابًا لم تكن لتقترب منه سابقًا، أو تشعر أن السير بلا سماعات يمنحك طمأنينة لم تختبرها منذ زمن بعيد. الملل هنا لا يعني الفراغ العقيم، بل يعني الفراغ الصحي، السطح الأبيض الذي يُعاد فوقه رسم الخطوط الأولى للتركيز، ويُستعاد فيه الإحساس بالحدود. في هذا الفراغ، يُسمح لأفعالٍ قليلة فقط أن تطرق بابك: أن تكتب ما يتكاثر في صدرك على ورقٍ صامت، أن تمشي وحدك دون موسيقى، أن تجلس في لحظة تأمل أو صلاة، أو أن تعيد ترتيب محيطك المادي كأنك ترتّب فوضاك الخفية. هذه الأفعال البسيطة ليست ترفًا، بل هي أدوات صيانة للوعي، تُنقّي الضجيج المتراكم، وتعيد للعقل صدقه الأول. ما يحدث في هذه المرحلة ليس انقلابًا صاخبًا، بل إعادة ضبط هادئة، تشبه خفض صوت مدينةٍ مزدحمة ليسمع المرء دقّات قلبه من جديد. يبدأ الإحساس بالزمن في التبدّل، لا يعود سريعًا مُبتلعًا كما كان، بل قابلاً للملاحظة. تستعيد التفاصيل الصغيرة بريقها، وتعود الأشياء البسيطة لتؤدي دورها الطبيعي دون تضخيم، وتجد أنك لم تكن تحتاج كل ذلك الصخب كي تحيا. وحين يهدأ الداخل، تدرك أن المشكلة لم تكن في قلة المتعة، بل في وفرتها المشوّهة، وأن العطب لم يكن في ضعفك، بل في الإفراط الذي استنزف قدرتك على التذوّق. عندها فقط تفهم أن العودة إلى البساطة ليست تراجعًا، بل شفاء، وأن إعادة بناء علاقتك مع الملل هي الخطوة الأولى لاستعادة نقاء الإحساس، واتزان الفكر، وصفاء الروح. ويبقى القول: ليست المسألة إذًا أن تهرب من التعب عبر المزيد من الإلهاء، بل أن تواجه الإرهاق بالهدوء، وتُقابل الفوضى بالفراغ، وتستبدل التخمة بالاقتصاد. في هذا الانعطاف الهادئ تتشكّل بداية جديدة، لا تقوم على الضجيج، بل على الصمت الذي يُصلح، وعلى البساطة التي تُعيد للإنسان قدرته على أن يفرح دون أن ينهك، وأن يعيش دون أن يذوب في التيار.