حب البدائي للحم فطري، فهو نهم به، شره - دائماً - إليه، لا يعرف مع طبيعته تلك مرتبة القصد والاعتدال، وربما كان الشره، وتلك الضراوة إلى اللحم نتيجة التزامهم ممارسة الصيد، الذي كان - يوماً ما - المصدر الغذائي الأول، ولا تزال الممارسة له قائمة حتى وقتنا هذا، ويعتبره بعضهم المصدر الرئيس لغذائه. والبدائي - إذا وجد اللحم - لا يلتفت إلى ظروف المستقبل، ولا يفكر في الادخار لوجبة أخرى، ورغم ذلك، كان الشك في إمكان تحصيل وجبات أخرى - في المستقبل - أمراً جعل هذه الشعوب تأكل كل ما يصادفها من أصغر الحشرات إلى الخيل، ومن الزواحف إلى الطير، وختم بعضهم ذلك بلحم أخيه، بل وتسمين بعض بني آدم التعساء لإعدادهم للذبح، تماما كالأنعام. لكن قد يمتنع بعضهم عن اللحم، أو نوع منه، لفترة رسمتها طقوسه الدينية: فالزوجان من قبائل «الأرابيش» عليهما بعد الوضع أن يمتنعا عن تناول اللحم شهراً أو نحوه. والقبائل «التوتمية» تعتبر سلامة أفراد «التوتم» الحيواني مظهراً من مظاهر تقديسه، فحرمت - إلا في ظروف مقيدة جداً - مسه بسوء فضلا عن تناول لحمه، فإذا كان هذا «التوتم» فهداً - مثلاً - وجبت حمايته، ومن ثم، امتنع تناول لحمه إلا في هذه الظروف. والأنثى من قبائل «الأرابيش» بجزر المحيط الهادي - تبتعد فترة الحمل - عن تناول الفار الهندي، أو الضفدعة، أو الثعبان المائي، وهي أصناف تأكلها جميعاً في الأحوال العادية، وتمتنع عنها - أثناء الحمل - مخافة أن تصاب هي أو حملها بسوء. الصيام من البداية حتى الإسلام - د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية*