تمقت المجتمعات الإنسانية بطبيعتها حضور الوجوه المكررة الصامتة للمنتديات الإعلامية، والاقتصادية، والندوات السياحية، والجلوس على المقاعد الأمامية دون مراعاة لكبار المواطنين والضيوف. قد يغيب عن البعض أن الهدف من تنظيم المناسبات هو طرح المقترحات، وتبادل الخبرات، ونقل التجارب، ومعرفة الجديد، لذا من الأولى إعطاء الفرصة لأهل الاختصاص، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه. وهناك من الفرص الذهبية الكثير يمكن لهؤلاء اغتنامها من خلال حضورهم، ومشاركاتهم في الأعمال ذات الطابع الإنساني، وهي أعمال محمودة. ويُخطئ من يعتقد أن مفهوم الإعلام ينحصر فيما يُطرح على منصات التواصل من قص ولزق، فالإعلام، وإن اختلفت الوسائل والأجهزة، يبقى علم، وفن، ورسالة تعتمد على الموهبة، والتخصص، وتوافر الأفكار الملهمة، وثقافة أصيلة متجذرة، ولغة، ومعرفة، والتعامل مع تقنيات العصر المختلفة، وبناء شبكة علاقات متنوعة. لم يكن تميز الإعلامي يوماً من الأيام بكثرة وجوده في كل مناسبة ومزاحمته، دون اعتبار، ضيفا أو كبير سن، ولا لمن يعتقد أنه يفهم أكثر من غيره. ينقل الكاتب الصحفي الراحل صلاح منتصر في مذكراته على لسان الأديب والمفكر الراحل توفيق الحكيم، وهو على فراش المرض، قوله: «أراد الله سبحانه أن يُطيل في حياتي وقد تغير المجتمع، فأصبحت أرى نفسي في دنيا جديدة، والناس فيها من كوكب آخر غير الكوكب الذي تعودت عليه». وأضاف: «من سُنة الحياة وجود جيل جديد له مفاهيمه وأفكاره الريادية، وتطلعاته المحفزة بما يناسب روح العصر». وإذا كان هذا رأي مفكر ملأ الدنيا بأعماله الأدبية والفكرية المتميزة، فكيف بمن يُزاحم بحضوره المتكرر في المناسبات، دون فائدة، وقد بلغ من العمر عتيا؟ يرى الكاتب حمد الطرباق، في كتابه «مدخل إلى الحياة»، أن كثرة الانغماس في الحياة الاجتماعية دون فائدة تُسبب إذابة الشخصية، وقتل الإبداع، وصهر الذات، ويصبح الإنسان معدوم التأثير، والعرب تقول: «زُرّغِبًّا تَزّدد حُبًّا»، ففي كثرة التردد سقوط للهيبة، وامتهان للذات. وقرأت في أحد كتب التراث نصيحة والد لابنه، يؤكد عليه عدم حضور المناسبات إلا لأسباب ثلاثة، إذ قال: «لا تأت من دون دعوة إلى مائدة، ولا تحضر لقاء إذا لم تشارك بفائدة، وأكثر الخروج من منزلك إذا كنت تؤدي عائدة»، بمعنى عيادة مريض، وتفقد أحوال محتاج، وزيارة صديق، وصلة رحم. ومن الحماقة حين يكون هدف الإنسان في حياته الأضواء، وصور تتناقلها وسائل التواصل، ولله في خلقه شؤون.