الخميس الماضي، مدّ المسلمون في بروكسلببلجيكا مائدة طويلة عريضة طولها كيلومتران. الجديد فيها، وهي أصلا فكرة جديدة، أن أحد البلجيك الذي أفطر مع المسلمين عند غروب الشمس دخل في دردشة مع أحد المغاربة، فلم يملك نفسه في ختام النقاش عن التفكير أن الشمس والقمر شاركا في المائدة الرمضانية. فقد قال له المغربي: إننا انتظرنا ظهور الهلال ليلة الثلاثاء فلما لم نره اعتمدنا شهر شعبان ثلاثين يومًا. ولذلك كان دخول رمضان بالخميس. وقال له: إن المسلمين في بعض العالم الإسلامي الممتد أكثر من عشرة آلاف كيلو متر، قد رأوا الهلال وأنهم افتتحوا صيامهم الأربعاء، ومنهم أهل المملكة العربية السعودية. قطع النقاش صوت المؤذن الشجي. ومد البلجيكي يده بحركة تلقائية مثل العشرة آلاف يد أو نحوها. وسمع البسملة ولم يدر ماذا يقولون، وبدأ مثلهم بأكل التمر، وهو ينظر بعين الاشتهاء إلى ما يسمونه السمبوسة، وإلى أواني الشوربة بجوارها. وهو يعتقد أن أكل الحلو يكون بعد أكل الخبز أو الشوربة. لكن رفيقه المغربي بيّن له أن هذه تعاليم رسول الإسلام، أن تبدأ بالتمر قبل السمبوسة أو الخبز أو الشوربة. وتعجب البلجيكي من ارتباط العبادة بالشمس والقمر، ولكنه تعجب أكثر حين علم أن المسلمين يصلون خمس صلوات كلها متعلقة بالشمس فيما عدا صلاة العشاء، التي لا تؤدى إلا بعد أن يسدل الظلام ستاره الساجي على البلاد. كما أعجبه النقاش حول ثبوت رؤية الهلال، فلو كان الصيام موقوتًا بالشهور الشمسية لحطت الرتابة على القضية. أما رؤية الهلال فذلك استنفار وتحفيز وتحريك للهمم لكل مبصر من صغير أو كبير أو رجل أو امرأة؛ كلما حان الميقات الرمضاني، أو ميقات عيد الفطر في العواصم الإسلامية. بل وحتى في غير العواصم الإسلامية. إلا أن المغربي نبهه إلى أن هذه مسألة يجوز فيها الاعتماد على الحساب الفلكي. فتعجب البلجيكي أكثر كيف سبق المسلمون إلى اعتماد العلم الفلكي في مسألة دينية. فقال له المغربي: يا صديقي إننا تعلمنا من الكتاب والسنة أن هذه المخلوقات مسخرة للإنسان وأن ذلك لا يقتصر على الأرض والشمس والقمر بل وحتى ما بين السماء والأرض. واستطرد بقوله: إن التفكير فريضة إسلامية لأن القرآن الحكيم يقول: "أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن كثيرًا من الناس بلقاء ربهم لكافرون". دار في خيالي هذا النقاش بين المغربي والبلجيك، بعد أن قرأت على وسائل التواصل الاجتماعي خبر المائدة الطويلة في بلجيكا عاصمة الاتحاد الأوربي. فإن أصبت فمن الله، وإن أسأت؛ فاستغفر الله.