تشكل العلاقات بين القاهرة والرياض أحد أعمدة النظام الإقليمى العربى منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945. فمنذ عقود طويلة، لم تكن الروابط بين مصر والمملكة العربية السعودية مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، بل اتخذت طابعا استراتيجيا يستند إلى ثقل البلدين السياسى والديموغرافى والدينى والاقتصادى. هذا الثقل المزدوج منح العاصمتين قدرة خاصة على التأثير فى مسارات العمل العربى المشترك، واحتواء أزمات متلاحقة عصفت بالمنطقة. وقد تعززت هذه الشراكة بصورة لافتة، منذ تولى السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى المسئولية فى مصر عام 2014، وتولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم فى المملكة عام 2015، بدعم ورؤية ولى العهد الأمير محمد بن سلمان, والتقارب الزمنى فى تولى القيادة، مقرونا بتقارب الرؤى تجاه قضايا الأمن القومى العربى، أسهم فى نقل العلاقات إلى مستوى الشراكة المؤسسية بعيدة المدى. من التنسيق إلى الشراكة الاستراتيجية أدركت القيادتان أن قوة العلاقة لا ينبغى أن تظل رهينة البعد الشخصى أو رهنا بتقلبات السياسة الإقليمية، فجرى العمل على وضع طابع مؤسسى للتعاون عبر إنشاء آليات تنسيقية رفيعة المستوى، فى مقدمتها «مجلس التنسيق الأعلى المصرى السعودى» الذى يرأسه زعيما البلدين. هذا المجلس يمثل مظلة جامعة لمختلف مسارات التعاون السياسى والاقتصادى والتنموى والاستثمارى. ركيزة للاستقرار الإقليمى وفى ظل ما تشهده المنطقة منذ عام 2011 من اضطرابات سياسية وصراعات مسلحة وتدخلات خارجية، برز الدور المصرى السعودى كعامل توازن رئيسى. فقد تبنى البلدان رؤية مشتركة تقوم على دعم الدولة الوطنية، ورفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية، والتصدى للميليشيات المسلحة والإرهابيين والمتطرفين من كل أنحاء المنطقة. وانعكس هذا التوافق فى التنسيق المستمر بشأن ملفات ليبيا، وسوريا، واليمن والسودان، إلى جانب الموقف المشترك إزاء القضية الفلسطينية، حيث يؤكد الطرفان التمسك بحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية. كما شكل أمن البحر الأحمر أولوية مشتركة، فى ظل التحديات المتزايدة التى تمس سلامة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفع إلى تكثيف التعاون العسكرى والأمنى وإجراء مناورات مشتركة بصورة منتظمة. إن استثمار اللغة الدبلوماسية الرصينة فى التعامل والتى اعتمدها الرئيس السيسى والملك سلمان وولى عهده الأمير محمد، فى الكثير من القضايا والمواقف التى جمعت بينهم، باعتبارها أسلوبا مهما وناجحا فى معالجة الكثير من قضايا المنطقة سواء فى اللقاءات الثنائية أو أمام المحافل والأروقة الدولية أو خلال الاجتماعات المشتركة، حيث تتكامل رؤى البلدان باعتبارهما أكبر قوتين عربيتين وإقليميتين فاعلتين، يربط بينهما تاريخ مشترك وطويل لخدمة القضايا العربية والإقليمية، حيث مثل الدور المشترك للبلدين عامل دعم وتوازن واستقرار لدول المنطقة بأسرها بعيدا عن سياسات الاستقطاب أو الاحتواء التى تنتهجها بعض القوى الكبرى أو تلك التى لديها مصالح وأهداف أو تحاول النفاذ أو السيطرة على مقدرات المنطقة. وقد اتسمت الرؤية المشتركة لقيادتى البلدين فى كثير من المواقف والأحداث بالحرص المشترك على مصالح المنطقة والحفاظ على الأمن القومى العربى بمواصلة التشاور والتنسيق إزاء أزمات المنطقة دفاعا عن قضايا ومصالح الأمة. المؤكد أن تطور العلاقات المصرية السعودية، ينعكس بشكل إيجابى على الكثير من القضايا العربية والإقليمية، فى ظل تشابك وتعقد الكثير من الموضوعات والمشاكل فى دول المنطقة. مواجهة الفكر المتطرف من أبرز محددات التقارب المصرى السعودى خلال السنوات الأخيرة، وحدة الموقف فى مواجهة تيارات التطرف والإرهاب. فقد خاض البلدان مواجهات شاملة ضد التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، سواء عبر العمليات الأمنية والعسكرية أو عبر جهود فكرية ودينية لتجديد الخطاب ومكافحة الفكر المتطرف. شراكة اقتصادية تتصاعد بثبات اقتصاديا، تمثل المملكة واحدة من أكبر الدول العربية استثمارا فى مصر، عبر آلاف المشروعات فى قطاعات البناء والتشييد والطاقة والسياحة والصناعة. كما يضطلع الصندوق السعودى للتنمية بدور مهم فى تمويل مشروعات تنموية فى محافظات مصرية متعددة. وفى المقابل، تشكل السوق السعودية وجهة رئيسية للصادرات المصرية الزراعية والصناعية، بينما تستضيف المملكة أكبر جالية مصرية عاملة فى الخارج، بما يعكس عمق الترابط المجتمعى والاقتصادى بين الشعبين. ويبرز مشروع الربط الكهربائى المصرى السعودى كأحد أهم مشروعات التكامل الاستراتيجى، حيث يهدف إلى تبادل الطاقة بقدرات كبيرة. تنسيق سياسى دائم ورؤية مشتركة للمستقبل تكثفت فى السنوات الأخيرة الاتصالات والزيارات المتبادلة بين كبار المسئولين، بما يعكس حرصًا على التشاور المستمر إزاء القضايا الإقليمية والدولية. ويؤكد الجانبان أن الشراكة الاستراتيجية ليست مجرد تحالف ظرفى، بل رؤية ممتدة تستند إلى إدراك عميق بأن استقرار المنطقة يمر عبر تفاهم القوتين العربيتين الأكبر تأثيرًا. آفاق المستقبل تواجه المنطقة تحديات مركبة، من أزمات اقتصادية إلى صراعات ممتدة وتحديات أمنية عابرة للحدود. وفى هذا السياق، تبدو الشراكة المصرية السعودية ركيزة لا غنى عنها للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، ودعم مسارات التسوية السياسية، وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية.