المنهج الجدلي لابن تيمية شبيهٌ بجدل زينون الإيلي في القرن الخامس قبل الميلاد، حين كان ينافح عن فلسفة أستاذه بارمنيدس، وهو ما يُعرف بالجدل الإنكاري. فابن تيمية يعتمد على تفكيك الخصم من الداخل لا من الخارج. يُسلِّم للخصم، مؤقتًا، بمقدماته؛ بهدف الكشف فيما بعد عن تناقضاته الداخلية، بمعنى أنه يحتج على الخصم بما يقوله هو، وبما يُلزم به نفسه، حتى لو لم يكن ابن تيمية مقتنعًا بتلك المقدمات ابتداءً. والتشابه الجدلي بينه وبين زينون لا يُعد عيبًا في ابن تيمية، بل هو دليل على سعة اطلاعه رحمه الله؛ إذ يعني ذلك أنه استظهر الفلسفة اليونانية بمختلف مناهجها، وأخذ منها ما يراه صوابًا. وقد رأيناه يرفض نظرية العقول العشرة التي أقرّ بها ابن سيناء والفارابي، والتي لا نشك نحن في أنها تسللت إلينا من خرافات اليونان، إذ إن بعضهم كان يعبد الكواكب. وتنص هذه النظرية على أن العقل الأول هو العقل الكلي الصادر عن الله، ثم يصدر العقل الثاني عن الأول، والثالث يحرك كوكب زحل، والرابع المشتري، والخامس المريخ، والسادس الشمس، والسابع الزهرة، والثامن عطارد، والتاسع القمر... وهكذا يتم توزيع العقول على الكواكب التي تؤثر بدورها في عقل الإنسان. وقد ردّ ابن تيمية هذه الفكرة في زمنٍ كانت فيه سائدة في الأوساط الفلسفية، واعتبرها بناءً فلسفيًا متهافتًا لا يصمد أمام الضربات العقلية الناقدة. وما زال يسوق الحجج العقلية، حجةً تلو أخرى، حتى اجتث فكرة العقول العشرة من جذورها، ولولا خشيتنا من الانزلاق في الإطالة لأوردنا حججه وشرحنا كل واحدة منها. واتهم بعض خصوم ابن تيمية بأنه ناقلٌ عن اليهود، بسبب اتفاقه مع الفيلسوف أبي البركات بن ملكا، الذي كان يهوديًا ثم اعتنق الإسلام. وأقول: إن هذا دليل امتداح لابن تيمية لا ذمٌّ له؛ إذ يؤكد أنه كان يجالس الفلاسفة، ويناقشهم، ويأخذ منهم ويرد عليهم. بل هي مزيّة له حتى لو لم يُسْلِم ابن ملكا. وقد كان ابن تيمية يحترم الفلاسفة الكبار ويوقرهم، وليس أدل على ذلك من كلامه في درء تعارض العقل والنقل (7/80)، إذ يقول: «وقد ذكروا أن أساطين الفلاسفة، كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون، قدموا الشام، وتعلموا الحكمة من لقمان وأصحاب داود وسليمان». إن معرفة ابن تيمية العميقة بالفلاسفة جعلته يستفيد منهم جميعًا؛ فعندما أقرّ بالحس والتجريب والاستقراء - كما أوضحنا في مقالٍ سابق - اقترب من أرسطو، وعندما أقرّ بالأفكار الفطرية، أي الفطرة التي فُطر الناس عليها، نجده يقترب من مُثُل أفلاطون، فضلًا عن انضمامه إلى كوكبة الفلاسفة الحسيين أنصار منهج الاستقراء والتجريب. ويتبقى أن نتحدث عن القضية الأكثر جدلًا بين مناصريه وخصومه، ألا وهي: «هل العالم أزلي أم حادث؟». فابن تيمية يقرر في صفحات كثيرة من كتبه أن تسلسل الحوادث لا أول له، وأن «الله لم يزل خالقًا»، ويترتب على ذلك القول بأزلية العالم. لكنه في مواضع أخرى كثيرة يصرح بأن «العالم حادث» و«العالم مخلوق»، وأن الله خلق العالم بعد أن كان مسبوقًا بالعدم. فإذا وجدنا عبارتين لابن تيمية، إحداهما تؤدي إلى القول بأزلية العالم، والأخرى تصرح بحدوثه، فالأولى بنا أن نأخذ التصريح ونتجاهل المؤدّى. وللمناطقة عبارات كثيرة على شاكلة قولهم: «إن التصور المطلوب لا يُنال إلا بالحد»، وقد أسقطها ابن تيمية جميعًا، وقال إن العكس هو الصحيح؛ فالتصور سابق للحد، فكيف يكون نتيجةً له؟! إذن فنحن نعرف الحد بالحس والتجربة، والحد - من حيث هو حد - يصف التصور ولا يولده. فعلى سبيل المثال، يقول المناطقة: الحد هو شكل هندسي ذو ثلاثة أضلاع، وبعد معرفتنا للحد يتولد لدينا التصور، وهو المثلث. فيرد ابن تيمية بأن التصور، أي المثلث، سابق للحد الذي يقول إنه شكل هندسي له ثلاثة أضلاع. فلو أن أحدنا شاهد مثلثًا، لما عرف أنه مثلث إن لم يكن قد شاهد مثلثات من قبل، كما أنه لن يعرف التفاحة إن لم يكن قد شاهد التفاح من قبل. وعلى هذا فإن التصور سابق للحد، لا العكس. ويترتب على هذا النقض نقضُ قضايا فلسفية كبرى، ليس هذا مقام الخوض فيها. ويقول أرسطو: إن الجسم لا يكون ثابتًا ومتحركًا في الوقت نفسه، وبناءً على ذلك يجعلها مقدمة كلية يبني عليها برهانه للوصول إلى نتائج يقينية. فردّ ابن تيمية بأنه كون الجسم لا يكون ثابتًا ومتحركًا في آنٍ واحد فهو أمرٌ بديهي، وبالتالي لن نجني فائدة تُذكر من العملية المنطقية الأرسطية، لأنها مبنية على أمر بديهي يعلمه العالم والجاهل. ويتجلى إبداع ابن تيمية في كونه سابقًا لزمانه في نقده للمنطق الأرسطي، وهو ما أدركته أوروبا لاحقًا حين قرر فرانسيس بيكون أنه لا نهضة للأمة الأوروبية ما لم تُحطَّم القيود الأرسطية - التي حطمها ابن تيمية قبله بقرون - تلك القيود التي سيطرت على الفكر البشري لأكثر من عشرين قرنًا.