في مشاهد كثيرة من يومنا، نُصادف عناصر تبدو جميلة للوهلة الأولى: شجرة صناعية وُضعت بعناية في زاوية مكتب، أو باقة ورد بلاستيكية تُزين مدخل متجر. ورغم جمالها الظاهري، يبقى هناك شعور داخلي لا يتفاعل معها. نرى الشكل.. لكننا لا نلمس الأثر. هذا الانفصال الشعوري ليس حُكمًا جماليًّا، بل استجابة إنسانية فطرية. فالبشر لا يتأثرون بالشيء لأنه مُتقَن الصُّنع فقط، بل لأنه يحمل تاريخًا مرّ به. الشجرة الطبيعية تحمل نسمة عبرت، وضوء شمس مرّ، وحركة حياة لا يُمكن استنساخها. أما البديل الصناعي، مهما بلغت دقته، فهو مُنتَج جميل.. لكنه بلا ذاكرة وتاريخ. اليوم، ينعكس هذا المشهد على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي. فالفيديوهات والصور التي تُنتج عبر الخوارزميات قد تُبهر العين بدقتها، لكنها لا تترك الانطباع ذاته الذي يتركه المحتوى البشري. تبدو مكتملة شكلاً، لكنها تفتقد حرارة التجربة، والحكاية التي تمرّ عبر عدسة المصور، واللحظة التي لا تتكرر. إن المحتوى الحقيقي ليس مجرد صورة أو مشهد، بل هو أثر وواقع وتجربة عاشها شخص ما. وهذه العناصر هي جوهر الإبداع البشري، لا يمكن للآلة محاكاتها مهما بلغت قوتها. يعرف الناس ذلك دون أن يُقال لهم. فكما يستطيع الفرد التمييز بفطرته بين وردة حقيقية وأخرى صناعية، فإنه يلتقط بوعي أو من دونه الفارق بين المحتوى الذي وُلد من حياة، وبين آخر وُلد من خوارزمية. الذكاء الاصطناعي قد يدهش، لكنه لا يلامس القلب. وفي خضم هذا التحول الرقمي الهائل، تبدو الأصالة كأنها قيمة قديمة تعود لتصبح أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فالتقنية تُوسّع الخيارات وتُسرّع الإنتاج، لكنها لا تستطيع أن تخلق شعورًا لم تعشه، ولا أثرًا لم يمرّ بزمن أو موقف. ما يُصنع باليد والعين والقلب.. يبقى. وما يُنتج داخل آلة.. يُشاهد، لكنه لا يُحسّ. ووسط هذا الضجيج التقني، ربما تُصبح العودة إلى الأصالة ليست مجرد تفضيل جمالي، بل ضرورة إنسانية تحفظ للمحتوى روحه.