وقت دراستي بجامعة واسيدا في اليابان، سجلت مادة "ثقافة إسلامية". كانت أستاذة المادة د. ساكوراي كيكو تتحدث اللغة الفارسية وتخصصت في الدراسات الإسلامية حسب ما يتم تدرسيه في الجامعات الإيرانية. دفعني الفضول العلمي لمعرفة كيف ستقوم بتدريس هذه المادة للطلبة اليابانيين. وفعلاً حضرت المحاضرة الأولى وألقيت التحية على الأستاذة معرفاً بنفسي أنني طالب من المملكة العربية السعودية. تفاجأت بالدكتورة ساكوراي مع بداية المحاضرة الثانية تقول للطلبة: "هنالك طالب سعودي ومسلم يحضر هذه المحاضرة معكم، وأنا أطلب منه أمامكم، إذا سمعتني أقول أي معلومة خاطئة أو غير دقيقة فاستوقفني مباشرة وتحدث أمام جميع الطلبة بما تعتبره صحيحاً من وجهة نظرك ومن حياتك ومعرفتك!". لم أتوقع هذا أبداً من الأستاذة وأكبرت فيها كثيراً شجاعتها حيث لا يصدر هذا التصرف إلا من إنسان يستشعر الأمانة والمسؤولية ويمتلك ثقة كبيرة بنفسه. وللأمانة لم استوقفها إلا مرتين فقط خلال جميع المحاضرات. هذا الموقف غرس في نفسي مبدأ حسن الاستماع والإصغاء إلى آراء الآخرين وفريق العمل. فكلما علت مرتبة الشخص كلما صار أكثر عرضة لسكرة الكرسي وأعراض جنون العظمة والنرجسية التي تصيب عدداً غير قليل من المسؤولين. في الواقع، يمكن اعتبار هذا المعيار أحد أهم العوامل التي تستطيع من خلالها الحكم على القدرات القيادية للشخص الذي أمامك. فالإنسان الذي يعترف بخطئه ويتحمل المسؤولية ويسعى للتحسين والتطوير هو الأكثر قرباً لتتم ترقيته لمرتبة قيادية أعلى. لأن هذا يعني أن هذا الشخص قادر على إدارة أشخاص أكثر كفاءة منه أو معرفة في مجالات مختلفة مما سيضمن نمو المنظومة كاملة. وفي نفس الوقت فمثل هذه النوعية من الأشخاص لا تنهزم بسهولة أمام الضغوطات والتحديات. وبالمقابل، فالشخص الذي يكابر ويتعمد إخفاء أخطائه ويتصيد على الآخرين أخطاءهم ويشهر بها بعيد عن تولي مسؤولية أكبر بعد المشرقين وبعد المغربين. والسبب بكل بساطة أن مستقبل المنظومة سيكون تحت رحمة قدرات شخص واحد لا يسمع لآراء الآخرين ولا يعترف بأخطائه مما يعد مخاطرة كبيرة ومجازفة بمستقبل المنظومة. والأهم من ذلك أن الشخص النرجسي من السهل عادة أن ينكسر وينهزم تحت التحديات والضغوطات. ومن المهم هنا التأكيد على أن ثقافة العمل تلعب دوراً محورياً، فالنجاح يتطلب تقبلاً من الجميع لتنبيه الآخرين داخل المنظومة وفريق العمل وإسداء النصيحة لهم وإرشادهم لأن ذلك يخدم المصلحة العامة ضمن روح التعاون والتكامل وليس بهدف التشهير والحروب الداخلية والصراعات. وباختصار، القائد الفذ شجاع وواثق وحريص على التعلم ولا يخجل من الاعتراف بأخطائه ومعالجتها وتبني أفضل المقترحات والآراء لمصلحة المنظمة حتى وإن خالفت رأيه. أما المسؤولون من شاكلة لا أريكم إلا ما أرى فهم خطر كبير وعامل هدم لنجاح واستقرار أي منظمة تبتلى بمثل هذه النوعية من القيادات.