هنا تتجلى لنا سطوة المال على كل القيم، وهي بطبيعة الحال سمة هذا العصر، فنجد أن البعض يتخلى عن زوجته وأولاده سعياً ورغبةً في المال، ولا يهم أياً كان مصيرهم، تلك باتت مشكلة هذا العصر ليس في موطن العرض المسرحي وإنما في سائر البلاد العربية، وهو ما شكّل تفسخاً محورياً في العلاقات الأسرية.. "مهاجر برسبان" نص مسرحي للكاتب اللبناني - الفرنسي جورج شحادة، الذي استقر في فرنسا بعد محاولاته العديدة في تأليف المسرح كهاوٍ عشق المسرح، إلا أن تعرفه على رجال المسرح العظام هناك وصداقته معهم جعل منه رجل المسرح الكبير، العالمي الذي أعاد للمسرح الفرنسي جذوته، بعد أن غرق في التجريب والمدارس الجديدة، حيث أعاد للمسرح الفرنسي الشعري مجده ورونقه، فكتب مسرحيات عديدة مثلت على أكبر المسارح في أوروبا آنذاك ومنها مسرحية مهاجر برسبان، التي ترجمت إلي العديد من اللغات وتناولتها السينما العربية، وعلى سبيل المثال فيلم بنات إبليس بطولة الفنان فريد شوقي كما أن كل مخرج مسرحي يجد فيها ضالته فيبدأ في بمعالجتها كل حسب رؤيته. تحكي مسرحية شحادة أن رجلا طاعنا في السن أراد أن يترك بعض ماله لابن له غير شرعي في قرية كان قد تركها منذ عشرين عاما، فركب عربة يقودها الحوذي حتى أوصله إلى قرية جميلة مشجرة وارفة الظلال عذبة النسيم في صقلية، وتركه هناك. استراح الرجل تحت ظل شجرة ومات ومعه حقيبة النقود، وحين وصل الأمر إلى عمدة القرية، وتمت مراسم الدفن، ثم جمع كل نساء القرية للتعرف على صورته ولم يتم التعرف عليه، لكن الشك بدأ يتسرب إلى كل بيت وكل رجل يعتقد أن زوجته خائنة لأن هذه الحقيبة مكتوب بها أنها لابن له غير شرعي بهذه القرية. وهنا يبدأ الصراع في كل بيت بعضهم قتل زوجته والبعض الآخر يحرضها على الادعاء بأنه ابنها رغبة في المال حتى تتكشف الأمور بوصول الحوذي بضيف آخر وأنه أحضر الأول عن طريق الخطأ فهي ليست القرية المقصودة! الكاتب المسرحي (العربي - العالمي) جورج شحادة لبناني الأصل (1905 - 1989) قد كتب هذا النص عام 1965 ببراعة شديدة سواء في البناء الدرامي أو حتى في نحت الشخصيات أفعالها ودوافعها، حيث كشف لنا كل الأقنعة وكل الزيف الاجتماعي في هذه المسرحية، وافتتح به مسرح "الكوميدي فرانسيس، وقبلها على مسرح الريزدنز بميونخ كأول مرة. وفي هذه الآونة عرض هذا النص بمعالجة درامية من حيث تمصيرها سواء على مستوى اللغة أو الفكر المطروح بعنوان (ابن مين؟) على مسرح الهوسابير العريق بالقاهرة، من إعداد سامح عثمان ومن إخراج الفنان سامح بسيوني وتنفيذ سارة المنتصر بالله، وبطولة مجموعة من الشباب الجدد، إنتاج المنتجة أروى قدورة وهنا نجد أهمية تناول النصوص العالمية ومعالجتها وإخضاعها للواقع المعاش، بحيث يكون العرض المسرحي معبرا عن واقعه. المعالجة تبدأ في حارة مصرية مكتظة بالصخب والسكان، حين يصل سائق الدراجة النارية إليها حاملا رجلا مسنا، ثم يدعه ويمضي، حينها تظهر كل مساوئ العصر من عصابات وهرج وتفسخ وفقر، وهذا على العكس من قرية شحادة الجميلة. في هذه الأناة نجد كل المشاكل الأسرية والاقتصادية والسلوكية التي يريد العرض تبيانها ناقدا كل خفايا المجتمعات التي باتت تتخبط بين الوافد والتحديث، مؤكدا بذلك الموسيقى الغربية التي استخدمها المخرج أما لنقلات بين المشاهد أو في حفلات صاخبة. كما أن هذه المعالجة تعكس سقوط كل الأقنعة وسيطرة المال على السوق الاقتصادي العالمي حتى الفرد داخل حارة شعبية، فأخذ العنف الأسري مأخذه، وأخذت شهوة المال تسيطر على بعضهم فيرغم زوجته بالادعاء بأنه ابنا لها، حتى يغنم المال وتتضاءل قيمة الشرف سوى رجل واحد قتل زوجته ظنا منه إنها خانته، وفي نهاية العرض يستولي أحدهم على المال بادعائه أن ابنته الوحيدة هي غير شرعية، فيحصل على المال ويتركها ويذهب متخليا عنها. وهنا تتجلى لنا سطوة المال على كل القيم وهي بطبيعة الحال سمة هذا العصر، فنجد أن البعض يتخلى عن زوجته وأولاده سعيا ورغبة في المال ولا يهم أيا كان مصيرهم كما فعل هذا الأب مع ابنته! تلك باتت مشكلة هذا العصر ليس في موطن العرض المسرحي وإنما في سائر البلاد العربية وهو ما شكل تفسخا محوريا في العلاقات الأسرية. تناول المخرج هذه المعالجة بوجودنا في حارة شعبية، متغلبا على تكاليف الإنتاج المجحفة برمزيات بسيطة، فجعل الخشبة تجمع كل الأنماط، وكل زاوية بها عائلة يتمدد الصراع بها وينقبض حسب بؤر الإضاءة وتصميم الحركة، واختلاف الأنماط السلوكية والأفعال والدوافع. ومن هنا أستطاع أن يوصل لنا الحالة بلا عناء ولا تكاليف ذلك، لأنه بأدواته الإخراجية من الحركة والإضاءة والحوار و(الموتيف) في المشهد كان كفيلا بوجودنا داخل الحدث وإدراكه. وجدير بالذكر هنا أن المخرج لديه وعي بإشكالية التلقي المسرحي في وقتنا هذا، باعتبار أن الأجواء الاحتفالية هي مصدر الجذب للمشاهدين عوضا عن جلوسهم ساعة ونصف أمام حوار مسرحي قد لا يروق لهم، ومن هنا اختار المخرج المناخ الاحتفالي حيث الموسيقى الصاخبة والرقص العشوائي مستخدما إياه لضبط إيقاع العرض على المستوى الأول، أما على المستوى الثاني فهو للسخرية من هذا السلوك العشوائي وأغاني المهرجانات. العرض كان مبهجا نتاج ذلك السباق المحموم بين الممثلين الهواة والذين أتوا طواعية للمسرح شغفا وحبا كما أن التغلب على مشكلة الإنتاج التي حجبت عنا مخرجين عظام قد اختفت في هذا العرض لبساطة المنظر وإقبال الهواة وجدية المخرج وتوفر دار العرض الذي تمتلكه المنتجة أروى قدورة، فكانت خلطة تضعنا أمام الكثير من الحلول لعقبات المسرح وخاصة أن المخرج رجل أكاديمي ومخرج متمرس فجمع بين الحرفية والهواة في بوتقة واحدة. وقد تنافس كل من الممثلين الجدد وهم: أميرة مصطفى في دور أنصاف، أحمد إبراهيم في دور فوزي، منة الجمال في دور نادية، عمرو خالد في دور عبد الحميد، حسام يوسف في دور حودة القط، مرتينا وليد في دور مرمر، مريم الجمال في دور إيمان، ومحمد نصير في دور رمزي، روزالين نشأت في دور ناهد، محمود عاطف في دور ناظم شوكت، هشام الشاوي في دور المعلم فضل، أحمد أبو زيد في دور الزنط، إسلام فودة في دور هيثم داوود، محمد مبارك في دور عادل الأبيض سائق الدراجة النارية، مصطفى السحار في دور اللوكش، يحي سهيل في دور الحوكش، أحمد خالد في دور الزوكش، ميليسا في دور عنبة، هبة غندور في دور ناهية، نسمة عثمان في دور زهور، ريهام عزت في دور نبيلة، هاجر في دور الابنة، أسامة زاهر في دور الهندي، سامح المصري في دور مساعد الهندي، سارة المنتصر بالله في دور الراوي، خالد محروس في دور نبيل، كل هؤلاء مع مساعدي الإخراج وهم كريم محمد، ومحمد عصمت، ومن اللافت للنظر مشاركة ابننا فارس نبيل دمدم الطالب السعودي بجامعة الإسكندرية تمثيل وإخراج في دور السائح، ولأول مرة يعتلي خشبات المسرح المصري، ليعود بإذن الله فنانا أكاديميا محترفا.